أسباب انهيار أجهزة وزارة الداخلية في أحداث ثورة 25 يناير

Posted on 23. Oct, 2011 in تقارير

أسباب انهيار أجهزة وزارة الداخلية في أحداث ثورة 25 يناير

أجرى البحث الخبير الأمنى : حسين حمودة
شهدت مصر انفلاتًا أمنيًا في العقد الأخير – على الأقل – نتيجة لسياسات الوزارة التي كثفت جهودها لحماية الحاكم وأسرته وبعض المقربين، على حساب الأمن العام، ولعل لتسمية أكاديمية الشرطة بـ”أكاديمية مبارك” دلالة واضحة على توجه سياسات وزارة الداخلية التي غلَّبت الأمن السياسي على الأمن الجنائي، ومن ثم فإن الانفلات الأمني كان موجودًا قبل ثورة 25 يناير على أرض الواقع، وأن الثورة أظهرته وأججته فبدا جليًّا للكافة، وتحول من انفلات إلى انهيار أمني كامل طبقا للقاعدة المنسوبة للفيلسوف هيجل: “التراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعية”. حيث كان من أبرز ملامحه: انهيار شرطي تام، انتشار قوات الشرطة عشوائيًا، نفاد الذخيرة، احتراق السيارات، نهب الأقسام، فتح السجون، سرقة الأسلحة ، وصدور قرار بحظر التجول واستدعاء القوات المسلحة للنزول إلى الشارع. وتأتي أهمية استجلاء أسباب الانهيار لكونها بمثابة تشخيص للمرض حتى نتعرف بجلاء على السبل الناجعة للتعافي منه من خلال إعادة البناء والإصلاح، التي بدونها تتعثر خطى إتمام نجاح الثورة، وتجعلها لا قدر الله ثورة غير مستكملة لأهدافها وفقًا للمصطلح الإنجليزي “Uncertain Revolution”، وسنتناول هنا الأسباب ذات التأثير المباشر والصلة الوثيقة بالثورة ومآلاتها(*)، وتتمثل أبرز أسباب انهيار أجهزة الوزارة في أحداث ثورة 25 يناير في الأسباب العامة لانهيار أجهزة وزارة الداخلية كافة، وذلك في المطلب الأول، وأسباب انهيار جهاز أمن الدولة السابق باعتباره عصب وبوصلة وزارة الداخلية، في المطلب الثاني، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول – الأسباب العامة لانهيار أجهزة وزارة الداخلية:
1- سوء تقديرات القيادات الأمنية للمواقف والأزمات الأمنية.
وتجلى سوء تقدير القيادات الأمنية للمواقف والأزمات الأمنية في أحداث الثورة على صعيدين: الأول- سوء تقدير طبيعة الحركات الاحتجاجية المفجرة للثورة، ويظهره تصريح وزير الداخلية السابق حبيب العادلي لجريدة الأهرام صبيحة يوم 25 يناير، ومفاده: ” أطالب المثقفين بضرورة توعية هؤلاء الشباب وحب وطنهم، فكيف لشباب يخرب وطنه، فالشباب

نزولهم للشارع ليس له تأثير”. والثاني- سوء تقدير حجم الحركات الاحتجاجية وتأثيراتها وبرز ذلك خلال التحقيقات التي أجريت مع الوزير السابق والتي أشار خلالها بأن أجهزة الوزارة لم تكن تتوقع درجة إصرار الشباب لتلبية مطالبهم، وقدرتهم على الحشد إلى هذا الحد.(*)
كما يتجلى سوء تقدير قيادات الشرطة – بصفة عامة – لأحوال العباد والبلاد في اقتراح للواء فؤاد علام – نائب رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق- في أعقاب الثورة، في بحث علمي عن ثورة 25 يناير، نشرته إحدى الدوريات الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام في أبريل 2011م، ومفاده: ” لقد استولى الثوار على عيد الشرطة يوم 25 يناير، وهو يوم يعتز به وببطولاته كل من انتمى لجهاز الشرطة، واختارته القدرة الشبابية ليكون يومها أيضًا .. وهنا يُقْتَرح أن تكون المبادأة من جانبها، فلها أن تبدل يوم ثورتها إلى يوم صمودها وهو يوم 28 يناير، أو يوم تنحي الرئيس باعتباره يوم الاستجابة لمطلبها الأساسي يوم 11 فبراير، ليكون هذا هو يوم عيدها ويوم ثورتها”.

2- مركزية إدارة مرفق الأمن في مصر. ومركزية إدارة مرفق الأمن في مصر تأتي في إطار ما يجري عليه الحال في مؤسسات الدولة كافة، وقد بدت مساوئ النهج المركزي في المحافظات التي اشتعلت فيها الأحداث، وتقاعس المحافظون عن القيام بمسئوليات حفظ الأمن فيها، وفق مقتضيات قانون الإدارة المحلية، ويرجع ذلك إلى ما اشتهر عن سطوة وزير الداخلية وديكتاتوريته وتخوف المحافظين من بطشه أو مجرد الاقتراب مما يسلمون خطأ بأنه حماه، إلا جزئيًا في بعض محافظات الصعيد التي تشهد أحداث تطرف ديني، حال تنصيب أحد قيادات الشرطة السابقين “البارزين” محافظًا لها.

3- الاستعانة بالبلطجية والخارجين عن القانون.بدأت فكرة الاستعانة بالبلطجية والمسجلين والعناصر الإجرامية، في مشاركة رجال الشرطة لبسط سيطرتهم على مناطق نفوذ الجماعات الدينية المتطرفة – بصعيد مصر تحديدًا– مما أدى إلى الكثير من المشاكل التي يصعب تداركها، والمتمثلة في خلق مناطق تحت سيطرة هؤلاء الخارجين عن القانون بمعزل عن سلطة الدولة، وتجسد هذه العلاقة ما سماه البعض بشعار “البلطجية والشرطة إيد واحدة”، حيث كانت العملية الانتخابية بأنواعها كافة (نيابية، محلية، رئاسية، نقابية، وغيرها) تدار بمعرفة أجهزة وزارة الداخلية التي كانت تستعين بالبلطجية وأصحاب السوابق في تنفيذ توجهات النظام بشأنها، بالإضافة إلى أن أعمال إرهاب المعارضين للنظام ونشطاء حقوق الإنسان وضربهم وإهانتهم، كان للبلطجيين الدور الرئيس فيها، وانقلب السحر على الساحر، فاستغل البلطجية والمسجلين حالة إعياء وإنهاك قوات الأمن خلال أحداث الثورة، فقاموا بالهجوم على أقسام الشرطة وسرقة سلاحها، فصدقت مقولة: “”لا تلم الثعبان إذا أدخلت رأسك في جحره”!!.

4- الاستبداد السياسي والإداري واللجوء لفقه التسويغ.والاستبداد السياسي والإداري كان يتم اقتداءً بالنموذج الفرعوني الذي أوردته الآية القرآنية الكريمة: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”. فلم يكن من المقبول المناقشة في تنفيذ الأوامر أو الاعتراض على أية توجيهات صادرة عن قيادات الوزارة، حتى ولو كان الاعتراض مبني على أسباب منطقية أو ضرورات مجتمعية أو بحوث ودراسات علمية، وكثرت فتاوى المبررين والمسوغين للباطل من قيادات الوزارة وأذنابهم، حتى أن التشهير والاعتداء والتعذيب والقتل كان له مبررات، تندرج تحت دعاوى الحفاظ على الأمن العام والأمن الوطني المصري، الذي كانت كلمة ” خط أحمر” دائماً ما تردف ذكره!!.

5- إقصاء الكفاءات البشرية توطئة لإنفاذ عملية توريث الحكم.استغنت وزارة الداخلية خلال النصف الأخير من العقد المنصرم، عن أغلب الكوادر الأمنية التي تتحلى بالأخلاق الحميدة والموضوعية في تقييم الأمور، خشية أن تمثل عائقًا لإنفاذ “مسلسل” التوريث، الذي كان القائمون عليه في حاجة إلى أسوأ الكوادر الأمنية التي كانت ستؤدي أداءً دراميًا لتحقيقه، وترجع خطورة هذا التوجه إلى ما سببه من تولد مشاعر اللامبالاة والإحباط في أوساط الضباط الشرفاء؛ نظرًا لتَيَقُنهم من صعوبة توليهم مناصب قيادية، أو الإبقاء عليهم مستقبلاً على أقل تقدير، في ظل هذا المناخ.

6- الغرور والصلف والتعالي على الشعب المصري. ويمكن اعتبار الغرور والصلف والتعالي على الشعب المصري بمثابة “العامل النفسي” المسبب لانتهاكات الحقوق والتضييق على الحريات، والمتمثل في أن ضباط وأفراد شرطة كُثر تربوا على ثقافة الاستعلاء على المواطنين؛ فالأمن بالنسبة إليهم لا يتحقق إلا بالضرب والقمع والتعذيب، وهؤلاء يعتبرون نجاح الثورة هزيمة لهم، ويحسون بأنهم انكسروا أمام الناس؛ لأنهم كانوا يعتبرون أنفسهم فوق القانون، ولا يعرفون كيف يتعاملون مع المواطنين في ظل القانون والمشروعية، وبالتالي فهم يتقاعسون عن حماية المصريين كأنما يعاقبونهم على قيامهم بالثورة، أو كأنهم يجبرونهم على أن يختاروا بين أمرين: إما التسليم بقمع الشرطة وإهاناتها، وإما التعرض لترويع البلطجية والخارجين عن القانون.(*) ويؤكد هذا المعني، ما صرحت به مصادر مسئولة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان إن تقرير بعثة تقصي الحقائق حول أحداث العنف الطائفي التي شهدتها إمبابة في السابع من مايو 2011م، وأسفرت عن وقوع عشرات من حالات الوفاة والمصابين، انتهى إلى تحميل أجهزة الأمن مسئولية اشتعال الأحداث، واتهامها بالتقاعس عن التعامل مع الأزمة منذ بدايتها، وأرجع التقرير أسباب ما سماه “التخاذل الأمني” في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها إلى: “أن المسافة بين كنيستي “مارمينا” و “العذراء” تقدر بنحو 2 كيلومتر، وأن الجناة ساروا هذه المسافة على الأقدام مدججين بالأسلحة النارية والبيضاء وقنابل “المولوتوف”، دون أن تعترض الشرطة طريقهم!!.

7- التحلل الأخلاقي.لعله من قبيل الآثار الضارة للمهنة، تأثر قطاع كبير من أعضاء هيئة الشرطة بسلوك وأخلاقيات بعض ذوي النشاط الإجرامي، ولكن لو أن موظفي إنفاذ القانون لجأوا إلى ممارسات تخالف القانون أو تتجاوز ما منحه لهم من سلطات وصلاحيات؛ لتعذر التمييز بينهم وبين المجرمين، ولتعرض الأمن العام والسلامة العامة للخطر، ومن صور التحلل الأخلاقي التي ابتلي بها قطاع من الضباط وأفراد الشرطة، سواء في تعاملهم مع المواطنين، أو داخل المنظومة الشرطية، هو ما دأبت عليه بعض قيادات الشرطة من توجيه أقذع الشتائم لبعض الضباط والأفراد الأقل رتبة، ورضاء أغلب المرؤوسين بذلك وعدم الاعتراض خشية تعرضهم لبطش الرؤساء؛ نظراً لغياب منظومة عادلة للتظلم داخل وزارة الداخلية، ومن ثم فإن تجاوز ضباط وأفراد الشرطة مع المواطنين لا يكون غريبًا أو مستبعدًا إذا ما وضعنا في الاعتبار ما يسمى في علم النفس بـ”الإزاحة – Displacement” أو ما يسميه البعض في علم النفس السياسي بنظرية “سلوك صف الضابط”، وبمقتضاها تقوم الطبقات الأعلى سلطة أو نفوذًا بالضغط على الطبقات الأدنى؛ لإزاحة الضغوط النفسية الواقعة عليها من الطبقات الأعلى.

8- الفساد المالي.مما لا شك فيه أن هناك ضباط وأفراد شرطة مارسوا الفساد في العهد البائد، وكانوا يربحون أموالاً طائلة بطريقة غير مشروعة، وهؤلاء قضت الثورة على مكاسبهم، وبالتالي لم يعد لديهم باعث حقيقي على العمل في ظل الظروف الراهنة؛ لأنهم تعودوا على دخول مرتفعة، فأصبح عليهم أن يعيشوا على رواتبهم فحسب، ولعل أعمال التمرد و” البلطجة ” التي مارسها بعض أمناء الشرطة في أعقاب الثورة تؤكد ذلك (محاولة إحراق أحد مباني وزارة الداخلية، إغلاق قسم شرطة الإسماعيلية ثالث “بالجنزير” ومنع دخول المواطنين أو خروج الضباط منه لفترة زمنية) ولا يمكن تبرير مسلكهم حتى لو غُلفت مزاعمهم بمطالب فئوية، ولكن الإنصاف يقتضي القول أن العاملين الشرفاء بوزارة الداخلية – على اختلاف درجاتهم – وهم كُثر وفي أمس الحاجة لتحسين أحوالهم الوظيفية.
وفي هذا السياق أيضًا، تجدر الإشارة إلى أهمية إحكام الرقابة المالية على الإدارة العامة للحسابات بوزارة الداخلية وسرعة محاسبة القائمين عليها، التي كانت تمنح العطايا لقيادات الوزارة المقربين من الوزير، في الوقت الذي يعاني فيه جهاز الشرطة بأسره من ضيق ذات اليد.

9- ازدياد حدة كراهية المواطنين لجهاز الشرطة لدرجة غير مسبوقة.يمثل جهاز الشرطة في مصر عبر التاريخ – باختلاف المسميات التي أُطلقت عليه – أداة قمع في أيدي الحكام الطغاة وهم كُثر، باستثناء فترات قليلة في ظل الخلافة الإسلامية والدولة الوطنية التي تولت مقاليد الأمور فيها حكومات ديمقراطية، ولكن طغيان وفساد جهاز الشرطة في العهد البائد بلغ ذروته، ومن ثم بلغت كراهية وسخط المواطنين عليه مبلغًا مماثلاً، ويرجع ذلك إلى ازدياد حدة تعمية وتعتيم وزارة الداخلية على مختلف الجرائم التي ارتكبها موظفوها ضد الأبرياء، ومن أبرز تلك الجرائم: (تعذيب عماد الكبير – قتل كل من خالد سعيد والسيد بلال) والحالتان الأخيرتان لم تكتمل إجراءات التحقيق والمحاكمة فيهما حتى الآن، ومن الدروس المستفادة في هذا الشأن، أن إشارات الإنذار التي لاحت في الأوساط الجماهيرية، وأظهرت سقوط حاجز الخوف الذي كان متولدًا في نفوس المواطنين من جهاز الشرطة وتولد مشاعر الانتقام منهم، وصوَّرته العديد من الأفلام السينمائية، كان من الواجب أن يفطن القائمون على وزارة الداخلية إلى خطورتها، لا أن يواجهوها بغرور واستعلاء كما أظهره لقاء وزير الداخلية في التلفزيون المصري بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة، والذي ذكر فيه عبارة: “كل إنسان بيسئ للشرطة، أنا بعتبره إنسان كاره لنفسه وللبلد “.

المطلب الثاني – أسباب انهيار جهاز أمن الدولة السابق:إن التغييرات المرجوة لتحقيق الإصلاح المؤسسي لقطاع الأمن الوطني الجديد، وإعادة هيكلته لتلافي الانتقادات التي وجهت إلي جهاز أمن الدولة السابق، يجب أن تشمل الأشخاص والسياسات والممارسات، ولتوضيح ذلك نستعرض المفاهيم والأسباب التالية:
1- إن الاعتبارات التي أثرت بالسلب على أداء ضباط جهاز مباحث أمن الدولة السابق وممارساتهم، فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان في مصر، تمثلت في عدم توافر العوامل الشخصية في أغلب العاملين بالجهاز بالكفاءة والقدر المطلوب، وتتمثل تلك العوامل في: التنشئة الاجتماعية، والتكوين النفسي، والقدرات المهنية، والمدركات بحقوق الإنسان، بالإضافة إلى وجود مثالب في العوامل الموضوعية المتَطَلَّبة لهذا الشأن، والتي تمثلت في: طبيعة نظام الحكم “استبدادي”، والثقافة السائدة في المجتمع “القمع والإقصاء”، ومحاكاة بعض الأنظمة العالمية والإقليمية في تطبيق معايير حقوق الإنسان “الانتقائية والمعايير المزدوجة”، فالولايات المتحدة الأمريكية – على سبيل المثال – كما جاء في وثائق ويكيليكس وتسريبات استخباراتية أخرى كانت ترسل سجناء مصريين وعرب لاستجوابهم وتعذيبهم بالبلاد، ثم تعيدهم إلى السجون الأمريكية مرة أخرى، فيما يمكن تسميته: “التعذيب عبر أسلوب “الدليفري”، وهي الدولة التي تتشدق برعايتها لحقوق الإنسان في عالمنا المعاصر، بالإضافة إلى عامل تدني الدعم اللوجستي لتجهيزات السجون، ومراكز الشرطة، ومراكز الرعاية الاجتماعية، “معاملة ومواصفات غير آدمية”.
2- استناد الممارسات التي تقترفها السلطة في مصر “ممثلة في جهاز مباحث أمن الدولة السابق” إلى حالة الطوارئ، والاعتماد على الحلول الأمنية، واستخدام القوة، وانتهاك حقوق الإنسان، وتقويض الحياة السياسية والحزبية.
3- الاعتقاد والتمسك بالمفهوم الضيق للأمن القومي، بديلاً عن المفهوم الأعم والأشمل
لـ”الأمن الإنساني – Human Security”، الذي يُكمل أمن الدولة السابق ولا يهدده، كما كانت تتوهم السلطات الأمنية، وكان ذلك مصوغًا لرفض جهاز أمن الدولة إشهار الجمعيات الأهلية التي تنتقد السياسات الحكومية، أو تتطرق إلى قضية التعذيب في أقسام الشرطة.
4- عدم الاكتراث بدور المجتمع المدني باعتباره “منظومة للإنذار المبكر- Early Warning “Alarm System، ومواجهته بعنف بدلاً من تشجيع وتنشيط العناصر الوطنية للمشاركة في أنشطته، وخاصة المنظمات الحقوقية والدفاعية، وعدم الاستفادة من دور المجتمع المدني في كشف الحاجات المجتمعية المختلفة من خلال ممارسته لأنشطته، في وقت مناسب، مما فوَّت على الجهاز فرصة توقِّي حدوث أزمات فجائية يصعب علاجها عند وقوعها، وكان يمكن توقيها – ابتداءً – بتفهم أسبابها.
5- عدم الالتزام بمدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون:
إن وزارة الداخلية المصرية لم تلق بالاً بهذا الأمر رغم أهميته البالغة، فيمكن أن يكون لدينا أحسن دستور وأفضل قوانين في العالم، كما يمكن أن يكون لدينا أنزه تحقيقات تقوم بها المحاكم، ولكن ما لم تكن مهمة تنفيذ القانون مستندة إلى التقليد الديمقراطي، وتتسم بأسمى مبادئ الأخلاق، وقائمة على النزاهة والشرف، فإن الحريات المدنية ستظل – وإلى ما لانهاية – معرضة للانتهاك.
فمسالة الأخلاق المهنية في إنفاذ القانون تلقى قدرًا من الاهتمام في الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الجنائية، وبرز هذا الاهتمام في أوضح صورة في “مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين” التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 34/169 المؤرخ 17 ديسمبر 1979م، وجاء في هذه القرار أن طبيعة وظائف إنفاذ القانون في الدفاع عن النظام العام، والطريقة التي تمارس بها تلك الوظائف يؤثران تأثيرًا مباشرًا على نوعية حياة الأفراد وعلى حياة المجتمع ككل. وبينما شددت الجمعية العامة على أهمية المهام التي يؤديها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون، فقد أكدت أيضًا احتمال وقوع تجاوزات أثناء ممارسة هذه الواجبات، كما اعتمدت الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي صكًا شبيهًا بمدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، وهذا الصك هو الإعلان المتعلق بالشرطة، المرفق بالقرار 690 الذي اعتمدته الجمعية البرلمانية في 8 مايو1979م.
6- غياب العدل: ومن صوره استبعاد الكفاءات – من المسئولين بالدولة وكذلك من العاملين بالجهاز – مما أدى إلى إحجام الشرفاء عن المشاركة الفعالة في إدارة شئون البلاد، وحمايتها من الأخطار الداخلية والخارجية التي تهددها، فجهاز مباحث أمن الدولة كان يضطهد المخالفين في الرأي ويتعقبهم سواء كانوا من المواطنين أو من العاملين بالجهاز، فحق عليه القول.
7- عدم اتباع المنهج العلمي: وهنا يجدر أن نسوق مثالاً واقعيًا، فقد كنت مسئولاً عن إدارة التحليل والتنبؤ وإدارة الأزمات في جهاز مباحث أمن الدولة، وأعددت العديد من الدراسات العلمية حول مطالب مختلف القطاعات الجماهيرية، استعنت فيها بأساتذتي وزملائي من أبرز الأكاديميين في تخصصات العلوم السياسية والاجتماعية والإعلام، ومن أبرزها دراسة حول ما يسمى بـ “الرأي العام الكامن”، المتمثل في الهتافات واللافتات ورسوم الكاريكاتير، ولكن المسئولين عن الجهاز لم يكترثوا بها، رغم أن هذا النهج كان سببًا رئيسًا في عدم توقع أجهزة الأمن انتفاضة 18، 19 يناير 1977م، ومنذ تلك الأزمة وحتى ثورة 25 يناير، لم يلتفت المسئولون بوزارة الداخلية إلى المطالب الشعبية التي رصدتها تلك الدراسات.(*)

المبحث الثاني
سبل إعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية وإصلاحها.
منذ عهد قريب جدًا، بدأت هيئات إنفاذ القانون في دول العالم ، أو بالأحرى مسئولو الإدارة الإستراتيجية فيها، تستشعر مدى ما تسببه هياكلها الشديدة البيروقراطية والمركزية من إعاقة لفاعليتها وكفاءتها. ويكمن حافز التغيير في تزايد الضغط السياسي الذي يُمارس من خارج الهيئة بأكثر مما ينبع من اقتناع داخلي كامل بأن البيروقراطية والأنظمة التراتبية “Hierarchical”ربما كانت سمات أقل استصوابًا في بيئة دينامية دائمة التغير. ويأتي هذا الضغط من صانعي القرار السياسي الذي لا ترضيهم المستويات الحالية للفاعلية والكفاءة التي وصلت إليها هيئة إنفاذ القانون التقليدية. وغالبًا ما يكون وراء عدم الارتياح هذا رأي عام مناوئ وتصورات وخبرة جماهيرية غير راضية عن أداء هيئة إنفاذ القانون أو عن قصور هذا الأداء. وحسبنا أن نلقي نظرة سريعة على الزيادة المطردة في سوق شركات الأمن الخاص(*)؛ كي ندرك أن الشركات في هذا القطاع إنما تقدم في واقع الأمر، خدمات الحماية والأمن اللذين فشلت هيئات إنفاذ القانون الوطنية”national” في توفيرهما.
وهذا السخط المتصاعد داخل المجتمع يدفع هيئات إنفاذ القانون إلى التغيير، فهناك الآن في جميع أنحاء العالم محاولة تسعى تدريجيًا نحو توفير هياكل لامركزية وأقل بيروقراطية لإنفاذ القانون، ويجري استحداث واختبار مفاهيم جديدة للإدارة، يختفي فيها أسلوب صنع القرار المتجه من أعلى إلى أسفل، لتحل محله مفاهيم “الإدارة الذاتية”"self management” – ، و”المسئولية عن النتائج – result responsibility”، وهي مفاهيم تستهدف إشراك جميع مستويات الهيئة في تحمل المسئولية، وكذلك في التمتع بالتقدير على الأداء الجيد، ويكتسب مفهوم “الشرطة المجتمعية – Community Policing” تأييدًا متزايدًا، في حين أصبح مفهوم “الوظيفة مدى الحياة – Lifetime Employment” موضع شك، مع تطبيق نظام العقود المؤقتة على جميع موظفي إنفاذ القانون، وتبذل محاولات لجعل إستراتيجيات إنفاذ القانون أكثر قدرة على استباق الأحداث، وعلى التجاوب مع احتياجات المجتمع.
ومن الضروري تفهم تأثير الواقع التنظيمي على إمكانيات وقدرات الأداء، وبخاصة حين يعترض هذا الواقع (البيروقراطية، والهياكل التراتبية، والتعقيد، …إلخ) طريق التغيير، ذلك أن تحقيق درجة التغيير المنشودة يقتضي إزالة هذه العوائق.
واسترشادًا بالمفاهيم والسياسات سالفة الذكر، التي تنتهجها أجهزة إنفاذ القانون في الدول المتقدمة، يمكن تحديد أبرز سبل إعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية وإصلاحها في أعقاب الثورة في مطلبين: الأول، ويتعلق بالسبل العامة لإعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية وإصلاحها، والثاني، ويتعلق بسبل بناء قطاع الأمن الوطني الجديد الذي حل محل جهاز أمن الدولة السابق بعد إجراء التعديلات الجوهرية على سياساته وممارساته، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول – السبل العامة لإعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية وإصلاحها:

1- تفهم المقاصد الحقيقية لوظيفة إنفاذ القانون.
وظيفة إنفاذ القانون هي خدمة عامة نشأت عن وجود القانون، وتتمثل مسئولياتها في الحفاظ على القانون وإنفاذه، وحفظ النظام العام، وتقديم المساعدة والعون أثناء الطوارئ، وهي ليست بالمهنة التي تتمثل في تطبيق حلول نمطية لمشكلات نمطية تحدث على فترات منتظمة، بل هي فن استيعاب القانون “نصًا وروحًا – the litter and the spirit “، فالموظفون المكلفون بإنفاذ القانون يجب أن يكونوا قادرين على التمييز بين
“درجات لا حصر لها من اللون الرمادي – innumerable shades of grey”، وليس مجرد التمييز بين الأسود والأبيض، والخطأ والصواب.
وانطلاقًا مما سبق، يرى استبدال شعار الشرطة الحالي “الشرطة في خدمة الشعب” بشعار “الشرطة درع القانون وسيفه”، وذلك لاتساقه والمقاصد الحقيقية لوظيفة إنفاذ القانون كما عرَّفتها الجهات المعنية على المستوى الدولي من جهة، ولعدم جدواه في واقع الأمر والشواهد على ذلك كثيرة.(*)

2- سرعة إنفاذ آليات العدالة الانتقالية.
وذلك عبر آلياتها الخمس المعروفة، وهي: المحاكمات والتحقيق، ولجان الحقيقة، والتعويضات لجبر الأضرار، والإصلاح المؤسسي، وإحياء الذاكرة الجماعية للضحايا لضمان عدم التكرار، والتي يجري إنفاذ آلياتها ببطء نسبي، مما سبَّب مشاعر من عدم الرضا فى الأوساط الجماهيرية.

3- الإصلاح التشريعي (الدستور – القانون – اللوائح التنظيمية).
- فيما يتعلق بالدستور:
 وجود قوات أو تشكيلات “شبه عسكرية – Paramilitary” مخالف للدستور وللإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري الأعلى مؤخراً، ويحتاج الأمر إلى تعديل دستوري.
 وجود القضاء العسكري المنوط به محاكمة أعضاء هيئة الشرطة، رغم كونها هيئة مدنية نظامية، يحتاج إلى معالجة تشريعية.

- فيما يتعلق بالقوانين واللوائح التنظيمية:
ومن أبرزها تلك القوانين واللوائح المنظمة لمسئوليات ولصلاحيات موظفي إنفاذ القانون، والمنظمة لقانون هيئة الشرطة، والتي تحتاج إلى تعديلات لقصورها عن معالجة التطورات وتلبية الاحتياجات الأمنية والوظيفية.

4- الإصلاح المؤسسي الذي يراعي المبادئ الأساسية لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وللإصلاح المؤسسي قواعد متعارف عليها في مختلف دول العالم المتقدم، والتي تضع ضوابط لمساءلة الأجهزة الأمنية في الدول الديمقراطية، وفق المسئوليات والصلاحيات الممنوحة لموظفي إنفاذ القانون، وتقييم أدائها على ضوء التزاماتها بتلك القواعد.

5- تأسيس مدونة لقواعد السلوك الأخلاقي للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.
ويتعين على موظفي الإدارة المسئولين في هيئات إنفاذ القانون أن يراقبوا المواقف والسلوك، لا من منظور الأخلاق الشخصية فحسب، بل ومن منظور
“الأخلاق الجماعية – Group Ethics”. ويمدنا تاريخ إنفاذ القانون بأمثلة متنوعة من بلدان مختلفة تبين لنا كيف يمكن أن تؤدي الأخلاق الجماعية المشكوك في صوابها إلى تشويه سمعة هيئة إنفاذ القانون بكاملها، وكثيرًا ما تهتز أسس هيئات لإنفاذ القانون في أرجاء مختلفة من العالم من جراء فضائح الفساد المتوطن، والمشاركة الواسعة النطاق في الجريمة المنظمة، والعنصرية والتمييز. هذا وقد لقيت مسألة الأخلاق المهنية في إنفاذ القانون قدرًا من الاهتمام في الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الجنائية الصادرة عن (الجمعية العامة للأمم المتحدة – الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي).

6- تأسيس جهاز معلوماتي كفء منوط به حماية الأمن الداخلي.
وذلك شريطة أن يواكب هذا الجهاز المتطلبات الثورية، وأن يخضع لمختلف وسائل الرقابة (تشريعية- قضائية- شعبية- مجتمعية- ذاتية) لتلافي انحرافات جهاز مباحث أمن الدولة السابق على أن يتم بصفة مؤقتة تكليف هيئة الأمن القومي التابعة لجهاز المخابرات العامة بتولي مهام هذا الجهاز.(*)

7- سرعة تنفيذ البرامج الدولية المتعارف عليها في مجال مد جسور الثقة بين المواطنين وجهاز الشرطة.
تهتم العديد من المنظمات والجمعيات لا سيما العاملة منها في الحقل التطوعي، بتنفيذ برامج لـ “مد جسور الثقة – Trust Building Programs” المفتقدة بين المواطنين في المجتمعات التي عانت في بعض الفترات من”تفكك اجتماعي” – “Social Disintegration”، نتيجة لصراعات عرقية وطائفية.(**)
فعلى سبيل المثال: أجرت المنظمات الدولية – ذات الصلة بالأمم المتحدة – إبان إنفاذها لتلك البرامج في إقليم دارفور بالسودان، عدة دورات في صورة “ورش عمل”، شارك فيها ممثلين عن الفصائل السودانية المتناحرة، وضباط الشرطة السودانية، وقوات حفظ السلام المشاركة في المهمة، وممثلي المجتمع المدني في آن؛ بغية التعرف على أسس إعادة الثقة المفقودة بين الأطراف، وممارستها والتدريب عليها في مناخ معرفي يسوده الوئام.

8- نهج الأسلوب اللامركزي في إدارة مرفق الأمن من خلال مشاركة المجتمعات المحلية في إدارته تحت رقابة الحكومة المركزية.
كشفت أحداث الثورة فشل كبير للمحافظين في إدارة الأزمة الأمنية في محافظاتهم، رغم أنهم المسئولون وفق قانون الإدارة المحلية عن الأمن في محافظاتهم، وكان من الواجب محاسبتهم على هذا التقصير، وللتدليل على أهمية نهج الأسلوب اللامركزي في إدارة مرفق الأمن، نشير إلى أن مستقبل البلاد إن شاء الله يقودنا إلى عهد تسود فيه الديمقراطية الحقيقية، وآنذاك فإن الحزب الفائز في الانتخابات سيشكل الوزارة، أي سيصبح وزير الداخلية شخصًا مدنيًا، عليه فحسب أن يضع السياسات العامة المتفقة مع حزبه، على أن يقوم الضباط بإدارة شئون العمل الميداني والإداري، ومن ثم فإن تقوية مبادئ ومفاهيم اللامركزية ستصل بنا يومًا ما إلى انتخاب المحافظ، ومدير الأمن، وربما المأمور، والعمدة، وذلك من شأنه إعادة الثقة المفتقدة بين أعضاء هيئة الشرطة والمواطنين؛ لغياب مفهوم الشرطة المجتمعية.

9- سرعة إصدار قانون لحرية تداول المعلومات.
والمقصود بالمعلومات هنا، معلومات هيئات الدولة والهيئات الخاصة، ولقد ثبت بالدليل القاطع أن نقص المعلومات المتاحة للجمهور يؤدي إلى تفشي الفساد، وإلى إساءة استخدام السلطة السياسية لصلاحياتها، وأن إخفاء المعلومات أكثر ضرراً على الأمن القومي من إتاحتها بضوابط؛ فالأمور التي يحاول أهل الحكم سترها، هي أمور تتضمن مخالفة للقانون أو انتهاكات لحقوق الإنسان أو افتئات على المال العام، ومما يدلل على نقص المعلومات المتاحة، أن وزارة الداخلية دأبت على إخفاء تقرير الأمن العام السنوي عن المجتمع المدني والمراكز البحثية، مما كان له أثر سلبي على مكافحة الجريمة وإنجاز العدالة الجنائية، وهو أمر غير مبرر، وغير محمود.
علمًا بأن الشعب المصري إذا كان نصفه تقريبًا يرزح تحت خط الفقر ويعاني من الأمية، فإنه بأكمله يرزح تحت خط الفقر المعلوماتي.

10- سرعة إنفاذ برامج علمية وعملية لمواجهة الأزمات والكوارث، وتأمين وحراسة الشخصيات المهمة.
وذلك من خلال وضع تصور للمخاطر والأزمات التي يمكن أن تحدث نتيجة للتغيرات البيئية الداخلية والخارجية، قائم على تحديد أكثر الأزمات احتمالاً وخطورة، وأولويات مواجهة تلك الأزمات فيما يعرف بـ “سلة أو محفظة الأزمات – Crisis Portfolio”، والتحضير لمنعها والاستعداد لمواجهتها والتخطيط لاستعادة النشاط بعد انتهائها، ولا سيما أن الأوضاع الأمنية الراهنة، بعد انهيار جهاز الشرطة وما نجم عنه من عجز في الإمكانيات البشرية واللوجستية، تظهر الحاجة الماسة إلى اتباع هذا النهج.
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تطوير أداء وإمكانيات مصلحة الحماية المدنية(*) لمواجهة التحديات والمخاطر التي ستواجهها في الفترة المقبلة ومن أبرزها: ظاهرة الاحتباس الحراري وما سينجم عنها من غرق مناطق شاسعة بالدلتا والساحل الشمالي الغربي، وتأمين مصادر الطاقة البديلة مثل المفاعل النووي لتوليد الطاقة الكهربائية المزمع إقامته بمنطقة الضبعة، وأماكن توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالمناطق الصحراوية.
كما يجب تطوير الفكر الأمني فيما يتعلق بأساليب تأمين وحراسة الشخصيات والمنشآت المهمة، وهنا تجدر الإشارة إلى تصريحات السيد منصور عيسوي ،وزير الداخلية، المتكررة في مختلف وسائل الإعلام ـ مع كامل التقدير لشخصه الكريم ـ فيما يتعلق بعدم اقتناعه بتعيين أطقم حراسة شخصية لصيقة بسيادته، وأن طاقم حراسته يضم ضابطًا واحدًا فحسب، وإنه اعتاد السير بمفرده في كثير من الأحيان، وأن البعض يعتبر أن تعدد أطقم الحراسة لونًا من التباهي والزهو الممقوت، وانعكاس تصوره في هذا الشأن على قوام أطقم حراسة الشخصيات المهمة في مصر وعلي رأسهم السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء، فإن تلك التصريحات والتصورات تحتاج إلي مراجعة، في ضوء الاعتبارين التاليين:
1- عدم الملائمة من ناحية التوقيت، الذي يواكب مناخًا من الفراغ الأمني في مصر، بل والتقاعس الأمني في بعض الأحيان، مع الوضع في الاعتبار واقعة اختطاف ثلاثة من ضباط الشرطة، في محافظة شمال سيناء منذ عدة أشهر في سابقة هي الأولى من نوعها، الأمر الذي قد يشكل عاملاً محفزًا للعناصر المناهضة في الداخل والخارج؛ لاستهداف أي من الشخصيات المهمة بالبلاد، للإضرار بصورة مصر وهيبة النظام الحاكم بعد الثورة.
2- أن العبرة في اتباع أساليب حماية الشخصيات المهمة في مختلف دول العالم، والتي يتكون طاقم الحراسة في دائرتها الأولي فحسب، من تسعة أشخاص فيما يسمى بالتشكيل “التُسَاعي”، بخلاف دوائر الحراسة الأخرى وطاقم الحراسة المتقدم المعروف باسم” Advanced “Survey Team، والذي يسبق الشخصية لتأمين موقع التحرك التالي ـ ترجع إلي الاهتمام “بالرمز” لا بالشخصية المطلوب حراستها، ومناصب: رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، هي أبرز المناصب التي تحمل دلالات رمزية، بحيث يعتبر النجاح في استهدافها ولو جزئيًا، بمثابة اختراق للأمن الوطني المصري، ويسئ إلى صورة الدولة بأسرها، أما اعتبارات التباهي والزهو فهي تتعلق بالصورة التي يتم التنفيذ بمقتضاها، لا بأعداد أطقم الحراسة، فعلى سبيل المثال: الحراسة الشخصية للرئيس الأمريكي تتكون من عدة أطقم وعلى دوائر مختلفة، رغم أن الصورة الإعلامية تظهره كما لو أنه يتحرك دون حراسة تذكر.

11- تأسيس إدارة متطورة لتقييم الأداء الأمني.
وذلك تحت مسمى “الإدارة العامة لمتابعة الأداء الأمني”، على أن تكون إدارة شرطية بمُكَوِّن مدني قوامه خبراء تنمية وإدارة الموارد البشرية، والعلاقات العامة، والإدارة العامة، وإدارة الأعمال، وغيرها من التخصصات التي تسهم في إرساء وتقييم وتطوير الأداء الأمني؛ استرشادًا بالأساليب والمناهج الدولية الحديثة المتعارف عليها في هذا المضمار، ويناط بها تقييم أداء مختلف أجهزة وزارة الداخلية بالاعتماد على مدخل إستراتيجي يتمثل في معايير “إدارة الجودة الشاملة – Total Quality Management”، وذلك بغية تقديم خدمة متميزة للمواطنين (العملاء) مما يستوجب إصلاحات إدارية شاملة تنمي المهارات الأساسية لأعضاء هيئة الشرطة (عسكريين – مدنيين) في التعامل مع المواطنين، ولتجسيد أهمية هذا النهج في إصلاح أجهزة الشرطة، ولبيان خطورة افتقارنا إليه، استشهد بعبارة لمسئول كبير بمركز بحوث الشرطة بأكاديمية مبارك للأمن (سابقاً) حول تطبيق معايير إدارة الجودة الشاملة في جهاز الشرطة بمصر تحت عنوان “حقائق هامة”، ومفادها: ” إن قيادات وزارة الداخلية كانت سباقة وحريصة دائماً على احترام المواطن وتحقيق أمنه، ووصول الخدمات إليه في سهولة ويسر”، والعبارة لا تحتاج إلى تعليق؟!.
12- سرعة إنشاء منظومة رشيدة للإعلام الأمني.
ومما لا يصح أن يختلف عليه من الفطناء اثنان، أن منظومة الإعلام الأمني بوزارة الداخلية حققت فشلاً ذريعًا في مد جسور الثقة بين المواطنين ورجال الشرطة خلال عقود من الزمان، فضلاً عن فشلها في تجميل صورة وزارة الداخلية وأداء العاملين بها، في أوقات بلغ فيها الاحتقان في العلاقة ذروته قبل الثورة مباشرة، وفي مرحلة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد، ولتوضيح الأمر نسوق مثال جلي للكافة، وهو يتعلق بالحملة الإعلانية التي أطلقتها الإدارة العامة للإعلام والعلاقات بالوزارة إبان الثورة تحت شعار “إطمِّن”، والتي كانت عبارة عن (6) ستة “كليبات” تستعرض خدمات شرطية تقدمها عدة إدارات (الأمن العام، النجدة، المرور، مصلحة الأحوال المدنية، وغيرها) للمواطنين بصورة متطورة لا تحدث في أكثر دول العالم تقدمًا، وذلك بخلاف الواقع، مما أثار سخرية المواطنين، وعمق شعورهم ومدركاتهم المترسخة بعدم مصداقية الوزارة، وكان نتاج تلك المعالجة، غير الملائمة، تولد شعور بالخوف من حملة دعائية كانت تستهدف طمئنة المواطنين!!، وحدا ببعض مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة المعلومات الدولية بالسخرية من تلك الحملة بزعم قيام وزارة الداخلية بتغيير شعار الحملة مؤخرًا إلى شعار:” إطمِّن وابقى طمِّنا عليك”!!.
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة وضع خطة عاجلة لتغيير الصور الذهنية والمدركات السلبية التي ترسخت في نفوس المواطنين تجاه الشرطة، من خلال نشر وبث وإذاعة الأخبار والمقاطع المصورة في كافة وسائل الإعلام، التي تظهر مواقف وتصرفات مشرِّفة لضباط
وأفراد الشرطة؛ لترسيخ مدركات إيجابية، ترمي في النهاية إلى خلق بطولات ومناسبات ذات دلالة، تصلح لأن تكون عيدًا للشرطة “يوم الشرطة”، بديلاً عن يوم 25 من يناير الذي فرَّطت فيه وزارة الداخلية بما كسبت يداها، وأصبح عيدًا للثورة.

13- إعلاء قيمة الدراسات والبحوث والوسائل والتقنيات الحديثة للارتقاء المهني وإثراء الأداء في إطار مفهوم الشرطة المجتمعية.()
وهو الأمر الذي لم يكن متبعًا من قبل، فالعديد من الأبحاث والأفكار القيمة حبيسة الأدراج، أو لا تواكب المفاهيم والأساليب الأمنية المتطورة.(**)، بالإضافة إلى ضرورة الاستعانة بالتقنيات الحديثة في مجالات العمل الشرطي كافة، وبصفة خاصة في مجال البحث الجنائي والسياسي، ومن أبرز تلك التقنيات: جهاز كشف الكذب، المعمل الجنائي، أجهزة كشف غموض مسرح الجريمة، …إلخ.

المطلب الثاني – سبل تأسيس قطاع الأمن الوطني:
لتأسيس قطاع الأمن الوطني الجديد، بمنأى عن سياسات وممارسات جهاز أمن الدولة السابق، يرى الاسترشاد بالمقترحات الآتية:
1- تكوين لجنة حكماء من ضباط القطاع الحاليين (مختلفة الرتب) من المشهود لهم بالأمانة، وممن لم يسبق لهم اقتراف أعمال تعذيب أو فساد، ومن الضباط السابقين بجهاز أمن الدولة السابق من ذوي الخبرات المتميزة؛ بغية استطلاع رأيهم في إعادة هيكلة الجهاز، وتحديد العناصر (ضباط، أفراد، مدنيين) التي يتم تسريحهم من الخدمة، والعناصر التي سيتم ضمها للجهاز لتعويض النقصان واستكمال قوة القطاع في المرحلة المقبلة، مع إيلاء أهمية خاصة للضباط الذين سيتم الاستغناء عنهم وإحالتهم للتقاعد؛ حتى يتم متابعة أنشطتهم تحسبًا لقيامهم بأية أعمال انتقامية أو لاستقطابهم بمعرفة عناصر معادية (أجنبية، محلية) علمًا بأن هناك سوابق تاريخية لذلك في جمهوريات أمريكا اللاتينية والاتحاد السوفيتي السابق عقب تفكيك أجهزة استخباراتها في أعقاب الثورات والتغييرات السياسية الراديكالية، على أن تكون لجنة الحكماء هذه بمثابة كيان مستديم.

2- تشكيل لجنة تضم بعض السادة ضباط جهاز المخابرات العامة، وبصفة خاصة ضباط هيئة الأمن القومي؛ بغية الاستعانة بهم في عملية تنقية قاعدة معلومات القطاع، مما شابها من عوار في العقود الثلاثة الماضية، ووضع قواعد جديدة لتصنيف المواقف والاتجاهات السياسية للمصريين، وفق القواعد الموضوعية المتعارف عليها في هذا الشأن، مع إيلاء أهمية خاصة للمعلومات المصنفة تحت درجةً سري للغايةً، والتي يُخشى أن تكون قد أُحرقت بتعليمات من قيادة جهاز أمن الدولة (تجري حاليًا محاكمة رئيس الجهاز اللواء حسن عبد الرحمن وعدد من الضباط، بتهمة إحراق ملفات الجهاز وإحراق الممتلكات العامة).

3- تأسيس وحدة لقياس الرأي العام تابعة لوزارة الداخلية، تستند في قياساتها على خبرات المجتمع المدني والأحزاب والمواطنين؛ للتعرف على مطالب ومظالم المصريين؛ حتى يمكن ترشيد السياسات والقرارات الأمنية، بعيدًا عن القياسات المضلَّلة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، ومن أبرزها: تلك الدعابة الشهيرة التي تناولها أحد تقارير المركز، ومفادها: “أن المصريين من أسعد شعوب العالم، وأنهم راضون عن الحكومة، وأن الثقة في السلطة وصلت أعلى مستوياتها”، ولا أدري أكانت العينة التي استُطلِع رأيها من قاطني منتجع “وادي النخيل” الذي يقطنه الدكتور أحمد نظيف، أم من سكان المناطق العشوائية.

4- إلغاء نيابة أمن الدولة العليا، واستبدالها بلجنة قضائية “خاصة” تابعة للمجلس الأعلى للقضاء؛ للإشراف على القطاع، ولعل للتجربة الأمريكية الخاصة بجهاز أمنها الداخلي المتمثل في مكتب التحقيقات الفيدرالية “FBI”، والذي يتبع وزارة العدل الأمريكية دلالة في هذا الشأن.

5- إغلاق السجون السرية، وضم تبعية السجون كافة لوزارة العدل بدلاً من وزارة الداخلية، على أن يقنن وجود سجون داخل مقار أمن الدولة على غرار ما يجرى بأجهزة أمنية أخرى؛ نظرًا لاعتبارات أمنية بحتة، وليس تمييزًا لقطاع الأمن الوطني، بشرط خضوع السجون لرقابة قضائية.
6- تحديد اختصاصات ومهام القطاع المستقبلية، من خلال تعديل تشريعي ناتج عن حوار مجتمعي موسع، يحدد الاحتياجات الأمنية ضمن الاحتياجات المجتمعية.

7- استصدار ترخيص لممارسة المسئوليات والصلاحيات الأساسية في إنفاذ القانون لقوات الشرطة التي تعمل في مجالات: الضبط والتفتيش والاحتجاز، وجمع الاستدلالات، واستعمال القوة والأسلحة النارية، مثل: ضباط قطاع الأمن الوطني وقطاع الأمن العام وقطاع السجون وقطاع الأمن المركزي وأفراده، على أن يتم تجديده سنويًا عقب اجتياز اختبارات نظرية وعملية في مجال حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الاختبارات المتعارف عليها لتحديد الكفاءة النفسية للعاملين في هذا المجال.
8- معالجة العَوار في الفكر السياسي ومنظومة القيم ذات الصلة بالممارسات الأمنية، والتي كانت تنطلق من قاعدة أساسية مفادها: “أن المعارض هو مجمع كل النقائص، وأن مؤيدي النظام هم محل كل الفضائل”، على أن يتم الاستعانة بالمراكز البحثية ومختلف الأجهزة الأمنية والخبراء القانونيين؛ لتحديد ماهية العناصر والأنشطة الضارة والهدامة التي ستكون محل رصد ومتابعة القطاع في الفترة المقبلة.
9- إعادة تقييم كافة القضايا التي ضُبطت خلال حكم الرئيس مبارك مع التركيز على الفترة من عام 2004-2011م، والاستعانة بشهود من الضباط والمتهمين المحبوسين حاليًا والمفرج عنهم في هذا الشأن، مع إيلاء أهمية خاصة للقضايا التي قيدت ضد مجهول أو شاب تحقيقاتها الغموض، ومن أمثلتها: تورط جهاز الموساد الإسرائيلي في قضية اغتيال العالم المصري الجليل الدكتور جمال حمدان، واختفاء الصحفي رضا هلال، وغيرها.
10- وضع اسم الضابط “الحَرَكي” أعلى الجيب الأيسر، حتى يتسنى تحديد شخصه وتقديم شكاوى ضده في حالة انتهاكه لحقوق المواطنين الذين يتعامل معهم.

خاتمة

وفي النهاية، يتضح أن أداء جهاز الشرطة في أحداث ثورة 25 يناير كان يحمل في داخله أسباب انهياره سالفة الذكر، ولكن الإنصاف والموضوعية يفرضان علينا ألا نُحَمِّل مسئولية انهيار جهاز الشرطة على القائمين عليه وحدهم، وإنما يرجع ذلك إلى طبيعة النظام السائد والذي كان استبداديًا تحكمه نظرة استعلائية احتكارية انعكست بدورها على كافة مؤسسات الدولة التي كانت تهدف إلى حماية النظام ورأس الدولة وإرضاء الحاكم على حساب المحكوم؛ الأمر الذي يُظهر أهمية سرعة إنفاذ سبل إعادة البناء والإصلاح التي ذُكرت آنفًا، بنظرة كلية للنظام الحاكم بكافة مؤسساته وأدواته، بالإضافة إلى ضرورة الاستعانة في إنفاذ الإصلاح بقيادات شرطية من الشرفاء، المؤمنين بالرسالة السامية المكلفين بتحقيقها، والقادرين على تنفيذها مهما كانت التبعات، على أن يكون العدل هو بوصلة تلك السياسات والممارسات وديدنها، ولعل مقولة الإمام ابن القيم رَحِمَهُ الله في هذا المقام خير ختام، ومفادها: “إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو الأساس الذي قام عليه ملكوت السماوات والأرض، فأينما كان العدل، فثم شرع الله ودينه، وإن لم ينزل به وحي، أو ينطق به رسول”.

المـــراجع

أولاً- باللغة العربية:
¬¬¬¬¬
أ- الكتب
1- حسين حمودة مصطفى، ما بعد أمن الدولة .. دور المجتمع المدني في
دعم حقوق الإنسان في مصر، 2011م (تحت الطبع).
2- د.عبد العزيز بن صقر الغامدي، مفهوم الشرطة المجتمعية (الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم، 2006).
3- د.عمرو هاشم ربيع (محرر)، ثورة 25 يناير.. قراءة أولية ورؤية مستقبلية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ط3، أبريل 2011م).
4- مركز بحوث الشرطة، مجلة مركز بحوث الشرطة (القاهرة: مركز بحوث
الشرطة، أكاديمية مبارك للأمن، ع 20، يوليو 2001م).

ب- رصيد من الخبرات العملية الدولية للمؤلف.
1- شغل مناصب: ضابط العمليات، ومسئول الانتخابات، ومسئول حقوق الإنسان بالمقر الرئيس لمهمة قوات الشرطة الدولية التابعة للأمم المتحدة بالعاصمة البوسنية سراييفو، 1996 – 1997م.
2- شغل منصب قائد بعثة الشرطة المصرية بمهمة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي بدارفور، وضابط اتصال الاتحاد الأفريقي لدى المنظمات والهيئات وممثلي الحكومة السودانية، وعضو لجنة وقف إطلاق النار بالفاشر، دارفور، السودان، 2006م.
3- حاصل على إجازة تدريس مادة حقوق الإنسان على المستوى الجامعي، من المعهد الدولي لدراسات حقوق الإنسان، ستراسبورج، فرنسا، وقام بتدريس مادة حقوق الإنسان لبعض العاملين بوزارة الداخلية (ضباط، أفراد، مدنيين).
4- حاصل على دبلومة دولية في المساعدات الإنسانية، من جامعتي: فوردهام الأمريكية وجنيف.
5- حاصل على ترخيص إدارة الصحة والسلامة المهنية “أوشا” البلاتينية، لخبراء إدارة الكوارث والأزمات، من وزارة العمل الأمريكية، بالإضافة إلى دورات متخصصة في إدارة وتقييم المخاطر.
6- الدورة التدريبية في مجال حماية وتأمين الشخصيات والمنشآت المهمة، تحت إشراف وزارة الخارجية الأمريكية، القاهرة، 1983م.
7- الدورة التدريبية في علم التفاوض وإدارة الأزمات، تحت إشراف وزارة الخارجية الأمريكية، القاهرة، 1984م.

ت- القنوات الفضائية:
1- حلقة من برنامج “90دقيقة”، قناة المحور، شارك فيها المؤلف، وموضوعها
الفراغ الأمني في مصر، 24/5/2011م.
2- حلقتان من برنامج “العدسة”، قناة الرحمة، أجريا مع المؤلف، وموضوعها
سبل إصلاح أجهزة وزارة الداخلية، 28/5 و 4/6/2011م.
3- حلقة من برنامج حول تأسيس جهاز الأمن الوطني، قناة الجزيرة مباشر
“مصر”، 10/6/2011م.

ث- مصادر على شبكة المعلومات الدولية “إنترنت”.
1- عدد من مواقع التواصل الاجتماعي التي تناولت القضايا ذات الصلة
بموضوع البحث.

ج- الجرائد:
1- تحقيق صحفي أجري مع المؤلف، جريدة الشروق، 8/4/2011م.
2- عدد من الجرائد المصرية التي تناولت قضايا الانفلات الأمني، وسبل
إصلاح أجهزة وزارة الداخلية.

ثانيًا- باللغة الإنجليزية:

A- BOOKS:

1- Rover, C.de., To Serve and to Protect: Human Rights and Humanitarian law for Police and Security Forces (Geneva: International Committee of the Red Cross, March 1998).

2. National Democratic Institute, Democratic Oversight of Police Forces: Mechanisms for Accountability and Community Policing (Washington, DC: National Democratic Institute, 2008).

Tags:

أترك تعليقا