هولندا.. لوبي صهيوني يتصاعد في أوروبا

Posted on 05. May, 2011 in المسلمون فى هولندا, تقارير

هولندا.. لوبي صهيوني يتصاعد في أوروبا

كتب : حسام عبد العزيز >>>

شهدت الأشهر القليلة الماضية تجليًّا غير مسبوق لشراسة اللوبي الصهيوني في الغرب؛ إثر الإعلان عن تسيير أسطول الحرية من تركيا باتجاه غزة، ثم مهاجمة إحدى سفنه وسقوط عشرات القتلى والجرحى.

وظهرت هذه النزعة في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا وإسبانيا، ففي الأولى دفعت عميدة صحفيي البيت الأبيض “هيلين توماس” ثمن جرأتها، واضطرت إلى الاستقالة لمطالبتها اليهود العودة إلى بولندا وألمانيا والولايات المتحدة، وترك أرض فلسطين للفلسطينيين.

وفي فرنسا، أصدر المجلس الأعلى للسمعيات والبصريات في فرنسا أوامر إلى الشركة المشغِّلة للقمر الصناعي “يوتلسات” بوقف إرسال قنوات الأقصى والمنار والرحمة لمعاداتها للسامية، وحضها على العنف ضد إسرائيل.

ولم نلبث أن طالعتنا الصحف بأنباء عن اعتزام جهات مؤيدة لإسرائيل داخل هولندا تسيير سفينة باتجاه سديروت وغزة لدعم الكيان الصهيوني، والرد على محاولة كسر الحصار التي تزعمتها تركيا، بل وجاءت الأنباء بأن السفينة ستحمل اسم الأسير الإسرائيلي الجندي “جلعاد شاليط”.

وفي إسبانيا، كتب خوسيه ماريا أزنار – رئيس الوزراء السابق – مقالاً في جريدة «الصنداي تايمز» البريطانية بتاريخ 17 يونيو 2010م بعنوان «ادعموا إسرائيل: فإذا ما انتهت انتهينا جميعًا».

وإذا ما رسم هذا التصريح علامات الدهشة على وجوه القراء بحكم مكانة ذلك الرجل الذي قاد إسبانيا، خلال الفترة من عام 1996 – 2004م، فإن الدهشة تتضاعف إذا ما صدر هذا الكلام عن قوة من المتوقع أن تحكم أو تشارك في حكم دولة بحجم هولندا في المستقبل القريب.

خيرت فيلدرز

إنه خيرت فيلدرز النائب في البرلمان الهولندي منذ عام 1998م، وزعيم حزب الحرية اليميني المعروف بعدائه للمسلمين. ويطالب فيلدرز بحظر الهجرة من الدول الإسلامية إلى هولندا، ومنع إقامة المساجد والمدارس الإسلامية، وارتداء النقاب، وتداول المصاحف، وحظر الحجاب داخل مؤسسات الدولة بوصفه “خرقة بالية”.

ويصف الزعيم اليميني النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بالإرهابي، ويقول: إنه لو كان حيًّا لجرت ملاحقته من الشرطة بتهمة الإرهاب، ويشبه القرآن الكريم بكتاب “كفاحي” للزعيم النازي الراحل “أدولف هتلر”، وينعته بالكتاب الفاشي.

لكن هذا كله لا يعدو حلقة في فلاة فيلم “فتنة” الذي أنتجه خيرت فيلدرز عام 2008م، وحاول فيه الربط بين القرآن والإرهاب، مستخدمًا بعض الآيات القرانية، وصورًا لأعمال إرهابية نُسبت إلى المسلمين.

ويواجه زعيم حزب الحرية اليميني حاليًا المحاكمة على خلفية تهم بإهانة المسلمين بصفتهم فئة من الشعب الهولندي، والتحريض على كراهية أتباع هذا الدين، وذلك بسبب تصريحاته المسيئة للإسلام والقرآن، وفيلمه الذي قوبل بانتقادات عنيفة في هذا الصدد، وهي تهم تستوجب عقوبة السجن بحد أقصى 16 شهرًا، وغرامة تصل إلى عشرة آلاف يورو، بحسب القانون الهولندي. إسرائيل تدافع عن الغرب “إسرائيل تحارب من أجلنا. وإذا سقطت القدس فإن أثينا وروما سيتبعانها”. وهذا ما يفسر أن إسرائيل تمثل جبهة مركزية في الدفاع عن الغرب، إنه ليس صراع أرض بل صراع أيديولوجي. صراع بين منطق الغرب وبربرية الأيديولوجية الإسلامية”، هكذا نطق اليميني الشعبوي خيرت فيلدرز – زعيم حزب الحرية – بكلمات واضحة تنشد الدعم الكامل لدولة إسرائيل. وتكتسب هذه التصريحات خطورتها من فوز فيلدرز وحزبه مؤخرًا في الانتخابات البرلمانية بـ 24 مقعدًا بقفزة بلغت 15 مقعدًا من إجمالي 150 مقعدًا. وليت تصريحات هذا النائب المتطرف قد وقفت عند حدود الداخل الهولندي وتأييده الأعمى للكيان الصهيوني، بل طالت تصريحاته أيضًا دولاً عربية وإسلامية أخرى، على رأسها الأردن، حينما طالب بضرورة تغيير مسمى الأردن إلى فلسطين تماشيًّا مع الأطروحات الحالية، الرامية إلى جعل الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيين. وهذه التصريحات المتطرفة دعت نبيل الشريف – وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية – إلى الرد على فيلدرز، واصفًا تصريحاته بأنها “نعيق الغربان” و”ترديد لمقولات اليمين الإسرائيلي المرفوضة”. وكعادتها دائمًا، فقد استغلت الصحافة اليهودية، أنباء فوز فيلدرز، وأخذت تروج لذلك المتطرف، ففور انتصار خيرت فيلدرز في الانتخابات البرلمانية الهولندية واحتلاله المركز الثالث، سارعت صحيفة “يديعوت أحرونوت” بخبر حمل عنوان: “اليمين المساند لإسرائيل يستحوذ على السلطة في هولندا”، فيما نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” حوارًا لزعيم حزب الحرية يمتدح فيه إسرائيل، ويعتبر الدفاع عن إسرائيل دفاعًا عن الغرب بعد أن زعم في صدر الحوار أن فوزه يعني أن الهولنديين يستيقظون ليدركوا أن الإسلام بات خطرًا محدقًا بهم. وعن سر قوة فيلدرز، فقد كشف البروفيسور بجامعة لايدن جايلز سكوت سميث بعدًا جديدًا في الخطر الفيلدرزي بمقال نشره في 15 يونيو 2010م قال فيه: إن “فيلدرز يتلقى دعمًا ماليًا من دانيال بايبس – مؤسس منتدى الشرق الأوسط”، ذلك المنتدى الذي يوصف بأنه مخصص لمضايقة الباحثين والعلماء الذين يتعرضون لإسرائيل بالنقد أو الاتهام. قلة مؤثرة وقوة التأثير الذي يصنعه هذا اليميني المتطرف وحزبه في المجتمع الهولندي، والذي يستفحل يومًا بعد يوم، إضافة إلى التأثير الذي يتمتع به اللوبي الصهيوني هناك والعلاقات بين الدولتين – هولندا وإسرائيل – تعد جميعها عوامل خطرة تنذر بنشوء قوة جديدة في أوروبا من شأنها مناهضة الحقوق العربية والإسلامية، كما أنها تشكل قوة مضادة لأي طرف أوروبي قد يتولى الدفاع عن القضية الفلسطينية، كما هو الحال مع دعوة فيلدرز بلاده إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في حال انضمام تركيا إليه، بالنظر أيضًا إلى أن تركيا أصبحت قوة داعمة للفلسطينيين في نضالهم ضد العدو الصهيوني. ورغم أن إجمالي عدد اليهود في هولندا لا يزيد على 50 ألف شخص في مقابل نحو مليون مسلم في هولندا، فإن اليهود يتمتعون بقوة تأثيرية كبيرة في أوساط الهولنديين البالغ عددهم نحو 16 مليون نسمة. وإشارة إلى قوة اللوبي اليهودي في هولندا، فقد رصد الكاتب العراقي صائب خليل تصريحات ساسة هولنديين تدعو إلى تحجيم كل من ينتقد إسرائيل، إضافة إلى السماح للوبي الصهيوني والسفارة الإسرائيلية فرصة التحكم فيما يُكتب عن ذلك الكيان، واستشهد الكاتب العراقي في هذا الصدد بفيلم وثائقي صدر في هولندا منذ أعوام بعنوان “الصمت عن إسرائيل”. ويكفي في هذا الصدد، ما صرَّحت به خريتا داوسنبيرخ – أرملة رئيس البنك المركزي الأوربي، وصديقة ملكة هولندا – ونشرته صحيفة “هآرتس” (31 يناير 2010م)؛ إذ قالت: “اللوبي اليهودي في هولندا، كما في الولايات المتحدة، قويٌّ جدًّا ومؤثر.. كلما ظهر أمر مناوئ لليهود الهولنديين يصفون المتحدث عنه بأنه معاد للسامية.. الحكومة الهولندية اليمينية مسيحية أصولية، والناس الأصوليون داخل الطائفة اليهودية لديهم مشاعر قوية تجاه الكيان الصهيوني، وهم يسيطرون على حكومتنا.. آمل أن يدرك اليهود أنهم لا يستطيعون السيطرة على جنوب أمستردام بنفس الطريقة التي استولوا بها على الضفة الغربية”.

مظاهر التأثير

وينبغي تأكيد أن المنظمات اليهودية العاملة في هولندا تعد أبرز مظاهر تأثير اللوبي اليهودي في دوائر صنع القرار الهولندي، وتضم هولندا عددًا كبيرًا من المنظمات اليهودية، بشكل جعل من المملكة الأوروبية تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في عدد المنظمات اليهودية الفاعلة، وأهم هذه المنظمات ما يلي:

1- مركز المعلومات والوثائق الإسرائيلية “CIDI” الذي تتخذ من العاصمة السياسية “لاهاي” مقرًّا له، وهو من أخطر المنظمات الصهيونية في العالم، إذ يتدخل في سياسات الدول سواء في هولندا أو خارجها.

2- اتحاد المنظمات اليهودية الذي يضم الجمعيات والمؤسسات اليهودية والصهيونية في هولندا كافة، وينظم لهم الاجتماعات والمؤتمرات السنوية، ويشرف على تطبيق قرارات منظمة إيباك الأمريكية أو التوجهات الإسرائيلية، ويضع الخطوط العريضة لسياساتهم.

3- منظمة الفيدرالية الصهيونية الهولندية التي تحمي المصالح الإسرائيلية العليا مباشرة.

4- منظمة (ألياه ديبارتمنت) التي تشرف على تهجير اليهود من هولندا إلى “إسرائيل”، وتسهيل سفرهم سواء للزيارة أو للإقامة، وتنظيم رحلات مجانية للشباب اليهودي في هولندا، وتستقبل الطلبة اليهود القادمين من “إسرائيل” للدراسة في هولندا، وتجمع التبرعات للمستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

5- منظمة Mesterdam synagogaal koor (أمستردام سايانا خوخال كوور) منظمة اجتماعية مهمتها تعليم الموسيقى اليهودية، وإقامة الحفلات في المناسبات اليهودية، والمشاركة في الاحتفلات الهولندية باسم اليهود و”إسرائيل”، إضافة إلى جمع التبرعات لصالح الجمعيات اليهودية.

كما أن الوجود والتأثير اليهودي في هولندا له مظاهر وشواهد أخرى، من بينها:

1-    حوالي 90% من أسماء رؤساء تحرير الصحف الهولندية من اليهود.

2-    حزب الليكود الإسرائيلي يحظى بتمثيل في العاصمة الهولندية أمستردام.

3-    تستطيع طلب الكيك “اليهودي” من متاجر السوبر ماركت الهولندية!

4-    الموساد لديه تمثيل رسمي في العاصمة أمستردام.

5-    تصدر في هولندا صحيفة إسرائيلية باللغة الهولندية، فضلاً عن عدد من الصحف الأسبوعية.

6-    منذ الحرب العالمية الثانية جرت العادة أن يكون عمدة أمستردام يهودي.

7-  مدير مركز المعلومات والوثائق الإسرائيلي “روني نافتانيال” يتمتع بنفوذ سياسي قوي، حيث بإمكانه تحريك البرلمان الهولندي بكلمة منه.

8-  تزخر المناهج الهولندية بدءًا من التعليم الابتدائي وحتى الثانوي بقصة “أنا فرانك”، تلك البنت اليهودية التي يزعم اليهود أنها ظلت هاربة من الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية في هذا المنزل (المتحف)، معتمدة في غذائها على حقيبة من البطاطس، ويتمتع المتحف بشهرة واسعة تنافس شعبية متحف الفنان العالمي “فان جوخ”.

9-  إذاعة هولندا العالمية تتبنى نبرة قاسية إزاء كل ما هو مسلم، وتتوخى الحذر في موضوعاتها عن اليهود أو الكيان الصهيوني؛ خوفًا من منظمات كـ “ميمري”، التي تتولى ترجمة كل ما ينشر عن إسرائيل في العالم والعمل على مقاومته.

10-       من المعتاد رفع العلم الإسرائيلي في مباريات كرة القدم في هولندا، حيث يدعي الصهاينة أن اليهود الفارين من اضطهاد هتلر اتخذوا من نادي أياكس الشهير ملاذًا لهم، ولذا بادروا بتأسيس الرابطة الرسمية لمشجعيه وجعلوا من العلم الإسرائيلي شعارًا لها.

مسلمو هولندا

وفي الوقت الذي يستثمر فيه اللوبي الصهيوني في هولندا كل شاردة لصالح الكيان الصهيوني، ساهمت عوامل تتعلق بالجالية المسلمة في تأجج ما يسمى بالإسلاموفوبيا في المملكة التي تعج بالأتراك والإندونيسيين والمغاربة.

حيث كان بيم فورتاون – السياسي المتعصب – هو شرارة هذا الاتجاه بآرائه المناهضة للمسلمين، ومثال على ذلك ما قال قبيل مقتله من أنه يجد الإسلام ثقافة متخلفة، وإنه لا يرى في أي بلد يسود فيه الإسلام إلا ديكتاتورية وتخلفًا واحتقارًا للنساء.

بل إن مقتل فورتاون نفسه كان سببًا في أن تترسخ في ذهن هولنديين كثيرين فكرة أن الإسلام هو سبب كل الشرور في هولندا؛ فالقاتل رغم أنه هولندي أكد إبان محاكمته أنه أراد منع فورتاون من استخدامه المسلمين بوصفهم الطائفة الأضعف في المجتمع ككبش فداء من أجل تحقيق انتصارات سياسية.

ورغم ما سبق، فقد جاء حدث فاصل آخر فجر الجدل، وربما الكراهية للإسلام في هولندا؛ إذ قام مواطن هولندي من أصل مغربي يدعى “محمد بويري” بذبح المخرج الهولندي “ثيو فان خوخ” عام 2004م، وفي وضح النهار بعد أن أنتج الأخير فيلمًا أسماه “الخضوع”، أظهر فيه امرأة تلبس ملابس شفافة تبين جسدها العاري الذي كتبت عليه آيات قرآنية عن عقوبة الزنى.

وأخذ الفيلم يسترسل في أن المرأة المسلمة ترغب في ممارسة الجنس، والخروج إلى الفضاء الواسع، لكن القرآن يحول بينها وبين الاستمتاع بالحياة.

طعن بويري خوخ في صدره بعد أن أطلق 8 رصاصات عليه، ثم ثبت بيانًا من 5 صفحات على صدر المخرج باستخدام السكين التي طعنه بها. وهدد في البيان الحكومات الغربية واليهود وآيان هيرسي علي – كاتبة سيناريو الفيلم.

وفي غضون هذه الأحداث، تَقَوَّت الإسلاموفوبيا بشخصيات من أصول مسلمة كآيان هيرسي علي التي هاجمت الإسلام سنين طويلة، مستخدمة قصصًا عن اضطهادها من أهلها المسلمين، قبل أن يتبين زيف هذه الروايات، وتخرج من هولندا إلى الولايات المتحدة، ونصر حامد أبو زيد الذي دفع ثمن آرائه الشاذة عن الإسلام، فحكم عليه القضاء المصري بردته، وفرق بينه وبين زوجته، ومن ثم هاجر إلى هولندا لعدة سنوات.

وختامًا، ينبغي تأكيد أن القرار الرسمي الهولندي لن يتورع أبدًا عن اتخاذ كل ما من شأنه إرضاء اللوبي الصهيوني، حتى لو كان في ذلك مخالفة لإرادة شعبها، وتاريخها يشهد؛ فقد سبق لها أن غامرت في أفغانستان، وضحت بمواطنيها، وهو ما كان سببًا في انهيار الحكومة، وسبق أن سمحت لطائرات الاستخبارات الأمريكية التي تنقل السجناء إلى جوانتانامو باستخدام مطاراتها، بل وسبق أن مدت إسرائيل بجسر جوي عام 1973م بتعليمات من وزير الدفاع آنذاك، ودون إبلاغ شعبه بالأمر.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تخدعنا بعض الإجراءات التي تتخذها السلطات الهولندية، والتي توحي بأنها ضد الكيان الصهيوني، مثل السماح للهولنديين بالتظاهر ضد إسرائيل، واستنكار الهجوم على أسطول الحرية، والتكفل بمصاريف دعوى ضد اعتداء إسرائيل على مواطنين هولنديين، والتبرؤ من تصريحات فيلدرز بشأن الأردن، فكل هذه الإجراءات تأتي من قبيل الحفاظ على ديمقراطيتها الداخلية ليس أكثر، والتعبير بشكل ظاهري عن انحيازها للرأي العام الداخلي، لكن في الواقع كل هذه الإجراءات لن تضر أبدًا بمستوى العلاقات الهولندية الإسرائيلية.

نقلا عن مجلة القدس

Tags:

One Response to “هولندا.. لوبي صهيوني يتصاعد في أوروبا”

  1. Name (required)

    05. May, 2011

    اكثر من رائع

أترك تعليقا