أجهزة استخبارات أبناء العم سام في خدمة أبناء العم داوود .. فأين نحن ؟

Posted on 18. Oct, 2011 in تحت المجهر, رأى حر

أجهزة استخبارات أبناء العم سام في خدمة أبناء العم داوود .. فأين نحن ؟

كتب : العميد حسين حمودة مصطفى
مؤلف موسوعة إسرائيل في أفريقيا

أثارت زيارة وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا – الرئيس السابق للـ”سي آي آيه” وصديق وزير “الحرب” الإسرائيلي إيهود باراك- لمصر قادمًا من إسرائيل وما أُعلن عن أنه من بين مستهدفاتها العفو والإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي الأميركي إيلان حاييم جرابيل، واصطحاب الوزير له في رحلة العودة إلى الولايات المتحدة الأميركية- لغطًا كبيرًا في الشارع المصري، وترقبًا لنتائجها على الصعيد العربي، لما لنتائجها من دلالات على المشهد السياسي العام في ظل حقبة “الربيع العربي”، وإعادة تفكيك وبناء الأوطان في جدلية “السبب والنتيجة” بين الرغبات الشعبية في الداخل العربي، وبين إنفاذ مخطط الشرق الأوسط الكبير وفق الرؤية الأميركية.
وللاستجابة لطلب العفو عن الجاسوس الإسرائيلي الأميركي إيلان حاييم جرابيل في هذا التوقيت مثالب ذات أبعاد: قانونية وسياسية وإعلامية وواقعية، تتمثل فيما يلي:
المثلب الأول- قانوني: الاعتداء على استقلالية القضاء في مصر.وذلك لأن القضية رهن التحقيقات ولم تُحَلْ بعد إلى المحكمة، ومن ثم فإن المجلس العسكري الذي يمارس -مؤقتًا- سلطات رئيس الجمهورية ليس له الحق في التدخل بالعفو قبل صدور حكم قضائي نهائي باتٍّ في القضية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحالة التي نحن بصددها ليست أشد خطورة من موقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية، حينما أقامت مديرة مدرسة بريطانية خلال الحرب دعوى أمام القضاء البريطاني تطالب فيها نقل مطار حربي قريب من مدرستها إلى مكان آخر؛ لأن الطائرات عند إقلاعها وهبوطها تحدث صوتًا يزعج الطلبة، مما تسبب في تعطيل الدراسة، وحصلت على أمر قضائي بنقل المطار الحربي إلي جهة أخرى بعيدة عن العمران؛ مما أحرج وزارة الدفاع البريطانية التي لجأت إلى تشرشل ليوقف تنفيذ الحكم؛ بدعوى أن نقل المطار سيضعف قوات الدفاع الجوي البريطاني في أداء رسالتها ضد العدو النازي، فامتثل تشرشل للحكم قائلاً :”خيرٌ لبريطانيا أن تخسر الحرب.. على أن تُوصَم بإهدار أحكام القضاء”.
ولا يفوتنا في هذا المقام، ألا ننسى خطورة الأثر المترتب على اقتصار عقوبة جناية التخابر على الأشغال الشاقة، بدلاً من الإعدام الذي كان وجوبيًا إذا كانت الدولة التي تم التخابر لها في حالة حرب معنا، وبالطبع كانت الأحكام على الجواسيس قبل معاهدة السلام غالبًا ما تكون بالإعدام، وهنا نقترح تعديلاً تشريعيًا لمواد قانون العقوبات ذات الصلة، لما لذلك من أثر واضح على معدلات حالات التجسس لصالح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على مصر، التي وصلت إبان ثورة 25 يناير إلى “خمسة جواسيس في خمسة أشهر.. أي جاسوس في كل شهر!!”؛ نيتجة لعدم تطبيق عقوبة الإعدام .. مما يفسح المجال للعدو للتفاوض بشأن الجواسيس كحالتنا هذه وغيرها، لاسيما وأن محكمة إسرائيلية مؤخرًا حاكمت ثلاثة من الأطفال المصريين بزعم التسلل عبرالحدود المصرية الإسرائيلية؛ باعتبارهم أجانب قادمين من دولة معادية، فكيف نعتبر إسرائيل دولة صديقة وهي تعتبرنا من الأعداء، رغم التزامنا بمعاهدة السلام، واختراقاتهم الدائمة لها؟!.
الثاني – سياسي: ويتضمن الاعتبارات التالية: 1- مساعدة حكومة نتنياهو المتطرفة في الخروج من عزلتها.
تواجه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة أزمة داخلية أدت إلى عجزها سياسيًا؛ حيث فشل في حشد الأغلبية المطلوبة لإقرار خطة تحقيق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي استجابة لاحتجاجات الشارع في إسرائيل، ويواجه انتقادات مختلف الأحزاب الإسرائيلية بعدم قدرته على السيطرة والتأثير في الائتلاف الذي اختاره، وانعزاله عن الشعب.
ومن ثم يكثف نتنياهو جهوده للتخفيف من ضغوط الداخل في إسرائيل، بتحقيق إنجاز في قضيتي الجاسوس الإسرائيلي المذكور والجندي الأسير جلعاد شاليط في آن، وذلك من خلال ضغوط وزير الدفاع الأميركي في القضية الأولى، والوسيط الألماني الذي يزور القاهرة في وقت متزامن في القضية الثانية.
والوضع سالف الذكر يشكل فرصة تاريخية لمصر والعالم العربي للتأثير في الولايات المتحدة الأميركية والقوى الدولية لتعظيم الدور المصري والعربي في الشرق الأوسط، وترسيخ الوضع الإسرائيلي المتأزم كيما تتحول إسرائيل إلى عبء إستراتيجي على الولايات المتحدة الأميركية بعد تأزم علاقاتها مع القوى الكبرى الثلاث في الشرق الأوسط في آن وذلك لأول مرة.
وفي ضوء ذلك، يجب ألا تنزع مصر فتيل التوتر بين إسرائيل وهذه القوى الثلاث، وأن مساعدة مصر لإسرائيل في حل أزمة الجاسوس والجندي الأسير هي مساهمة حقيقية في إنقاذ نتنياهو وائتلافه المتطرف المعادي لمصر والعرب من الانهيار.
2- خدمة السياسة الأميركية ذات المعايير المزدوجة “الانتقائية” .تتسم السياسة الخارجية الأميركية بالمعايير المزدوجة والانتقائية في التعامل مع القوى الخارجية المختلفة وفق محددات تلك السياسة، ولتوضيح ما نقصده بشأن قضية الجاسوس الإسرائيلي الأميركي المذكور، يستلزم الأمر الرجوع إلى خلفية تاريخية مفادها أنه في العام 1951م، أسفر اجتماع عقد بين الرئيس الأميركي هاري ترومان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بن جوريون الملقب بـ”الرجل العجوز” في حضور رئيسَي جهازَي الـ”سي آي آيه” والـ”موساد” عن اتفاق أساسي لتبادل المعلومات الإستراتيجية بينهما، وتعهد البلدان بألا يتجسسا على بعضهما البعض (إلا أن إسرائيل نقضت العهد وتجسست على الولايات المتحدة الأميركية وأشهر القضايا الجاسوس جوناثان بولارد).. ومن المثير للعجب والاشمئزاز في آن، أن الإدارة الأميركية التي تسعى للعفو عمن تجسس على مصر لصالح إسرائيل، هي ذاتها التي تصر على رفض العفو عن الجاسوس بولارد تلبية لرغبة الجانب الإسرائيلي، لدرجة أن وسائل الإعلام الأميركية صرحت مؤخرًا بما يلي: “في أول خلاف علني بينهما، أعلن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن رفضه العفو عن الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد المعتقل في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1985م؛ لتجسسه لصالح إسرائيل، وأضاف أنه اعترض على رغبة الرئيس الأميركي أوباما في العفو عن الجاسوس المذكور بقوله: “في حالة خروجه من السجن قبل موعده المستحق، فإن ذلك سيكون على جثتي وأنا ميت، ولو كان الأمر بيدي لأبقيته طوال حياته في السجن”، وذلك رغم أن هذا الموقف يزعج أوباما الذي يرغب في كسب دعم اليهود في حملته الانتخابية القادمة.
3- إغفال حقيقة التعاون والتوحد الإستراتيجي والاستخباراتي بين جهازَي الـ”سي آي آيه” والـ”موساد”.
ولتوضيح خطورة هذا التعاون، أسوق هذا المثل، ففي عام 1954م، أرسل رئيس ومؤسس جهاز الـ”موساد” رؤوفين شيلوح الملقب بـ”ملك المخابرات الإسرائيلية” إلى رئيس الـ”سي آي آيه” ألن دالاس – شقيق وزير الخارجية الأميركية الشهير جون فوستر دالاس- هدية عبارة عن خنجر محفور عليه عبارة: “إنه لا ينعسُ ولا ينامُ حافظُ إسرائيل” والمقصود الرب (مزمور 121 فقرة 4 من سفر المزامير بالعهد القديم).
فرد عليها دالاس: “إنك تستطيع أن تعتمد علي لأبقى ساهرًا إلى جانبك”. وأُنشِئَت قناة خلفية استخباراتية بين البلدين يستطيعان عبرها الاتصال باستخدام هاتف سري في الحالات الطارئة، ولذا نجحت إسرائيل في اختراق كل العواصم العربية، كما أن مسئول بالـ”سي آي آيه” معروف بتعاطفه مع إسرائيل صرح: “كل عميل في الـ”سي آي آيه” يعمل بشكل ثانوي للإسرائيليين”.
4- الردة عن مبادىء ثورة 25 يناير:ومن أبرزها مبدأ “الكرامة الإنسانية”، حيث إن المصريين أصبحوا رقمًا صحيحًا، ويجب مراعاة مصالحهم ومشاعرهم وبصفة خاصة تجاه الكيان الصهيوني، بعدما كان الرئيس المخلوع حسني مبارك “الكنز الإستراتيجي لإسرائيل” يتصرف بإرادة منفردة ومستفزة، وقام بالعفو وبتسليم العديد من الجواسيس إلى إسرائيل، ومن أبرزهم : آل مصراتي، الذين أهان أحدهم ويدعى فارس هيئة المحكمة إبان إدخاله القفص حيث قام بالكشف “عن عورته” أمام الحراس والجمهور والمصورين، وأخذ يتبول في قاعة المحكمة. كما قام بتحطيم أنف ضابط أمن الدولة المرافق له، وعَضَّ ضابط شرطة آخر كان يدافع عن زميله، وقد قام ضابط الشرطة برفع قضية مستعجلة وحكمت المحكمة على الجاسوس المذكور بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمتي الاعتداء والإهانة، إلا أنه تم تسليم الجواسيس إلى إسرائيل عام 1992 م قبل انتهاء محاكمتهم لاعتبارات الأمن القومي!، والجاسوس عزام متعب عزام الذي أفرج عنه عام 2004م قبل انتهاء مدة عقوبته، ولم يكن ذلك لحسن سيره وسلوكه!، والجاسوسة الإسرائيلية ديفورا جناني إلعاد، والتي تم تسليمها لإسرائيل دون التحقيق معها، وذلك منذ عقد من الزمان .. وهذه بعض الأمثلة الفجة، وما خفي كان أعظم .
وتتطلب روح ثورة يناير مخالفة نهج الرئيس المخلوع في التسامح مع إسرائيل لهذه الدرجة في ضوء عدم مراعاتها للمصالح المصرية بل إضرارها بها، واستمرارية تعمدها إيزاء مشاعر المصريين، وفي هذا المقام نستعرض ما أعلنته القناة الثانية في التلفزيون الإسرئيلي – في غضون شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي- في تقرير لها أن أوساطاً سياسية وصحافية رشحت الرئيس المخلوع حسني مبارك لجائزة شخصية العام؛ ليكون مبارك أول شخصية عربية وغير إسرائيلية تنال هذه الجائزة في دولة الاحتلال، وبررت ترشيحه لأنه قدم خدمات جليلة لدولة إسرائيل، ويجب تكريمه حتى ولو أنه لا يستطيع تسلم الجائزة، كما طالب الحاخام عوفاديا يوسف الـ”موساد” مؤخراً – في فتوى رسمية – بالوقوف بجانب الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وقال حاخام إسرائيل الأكبر ورئيس مجلس حكماء التوراة اليهودية في رسالته للـ”موساد”: “أنني أعلن بإيمان لا يتزعزع بين أسباط اليهود، أنه طبقًا للمعروف لي وطبقًا للشريعة اليهودية لشعب إسرائيل، بخصوص كيفية القيام بواجبنا لرد الجميل لصديق الشعب اليهودي ودولة إسرائيل المخلص “حسني مبارك”، فإنه يجب علينا جميعًا عمل كل ما بوسعنا للوقوف بجانبه في آخر أيامه، وتخليد اسمه بالصورة اللائقة، شاكرًا الـ”موساد” لمساهمته في الحفاظ على اسم مبارك في إسرائيل حتي لا يُنسى”.
وفي نظري أن ما ذكر في هذا الشأن، يكفي وحده، لأن يكون مبرراً لرفض الصفقة المشار إليها.
5- التفريط في ميزة تفاوضية يمكن استثمارها في مساومة إسرائيل.تعد قضية الجاسوس المذكور ورقة تفاوضية رائجة، يمكن أن تحقق مكاسب لمصر، شريطة أن يكون الأداء التفاوضي لفريق إدارة الأزمات المختص على درجة عالية من المهنية. والمكاسب المحتملة من وراء هذه الصفقة ليس محلها المبادلة بالجواسيس، وإنما محلها إجراءات وسياسات اقتصادية وحقوقية وإعلامية تتخذها أجهزة الدولة المختلفة، فإذا أرادت الدولة الإفراج عن الأسرى المصريين في السجون الإسرائيلية، فيتم ذلك من خلال تفعيل دور الحكومة المصرية ووزارة الخارجية ممثلة في رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية خاصة للمساعدة في الإفراج عن المحكوم عليهم وخاصة من قضى منهم مدة العقوبة، حيث أن هناك عددًا ليس بقليل ينتظر إجراءات الإفراج عنه منذ سنوات، وللأسف الحكومة لم تحرك ساكنًا في هذا الأمر، كما أن الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى المصريين يجب أن تقدم بشأنها شكاوى أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة للتحقيق فيها بواسطة لجان دولية لتقصي الحقائق (على سبيل المثال: واقعة القبض على ثلاثة من الأطفال المصريين ومحاكمتهم مؤخرًا أمام محاكم للبالغين وإيداعهم سجون للبالغين، بالمخالفة لنص المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي صدقت عليها مصر وإسرائيل وهي ملزمة للطرفين).
أما إذا كانت الحكومة المصرية تنتوي المفاوضة على تبادل الجاسوس بمسجونين مصريين في قضايا جنائية بمعزل عن هذه الإجراءات، فإن ذلك يعد إهدارًا لميزة تفاوضية نحن في أَمَسِّ الحاجة إليها، لاسيما وأن العدو الصهيوني اقترف العديد من الخروقات والتجاوزات بحق المدنيين والعسكريين المصريين ومن أبرزها وآخرها واقعة اختراق الحدود المصرية الإسرائيلية وقتل ستة من العسكريين المصريين، ويمكن المساومة في هذا الشأن بقضية الجاسوس الإسرائيلي والجندي الإسرائيلي شاليط لجبر الأضرار وتحقيق المنافع.
6- التلاعب بمشاعر المصريين والاستخفاف بها .وذلك من خلال الترويج الإعلامي – من خلال خبراء عسكريين وإستراتيجيين – بأن تلك الصفقة ستكون ذات عائد كبير يتمثل في:
 الإفراج عن المحتجزين المصريين في السجون الإسرائيلية.
 الإفراج عن الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن المحتجز في السجون الأميركية.
 عائد اقتصادي: زيادة قيمة المعونة الأميركية.
 عائد عسكري: منظومة تسليح حديثة.
 عوائد سرية لن يُفصَح عنها.
وتم تسويق تلك الصفقة كما ولو كانت الحل السحري لمشاكلنا مع إسرائيل، وهي مبالغة لن تؤتي ثمارها. وأتوقع أن إسرائيل لن تلبي رغبات أسر المسجونين في السجون الإسرائيلية والأميركية كافة، وحينئذ ستثار الفتن بين القوى المجتمعية المختلفة (على سبيل المثال: إذا لُبِّيَت رغبة أسرة الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن، ولم تلبى رغبة أسر بعض المسجونين في السجون الإسرائيلية – معظمهم من أهالي سيناء – أو العكس، سينجم عن ذلك تأجيج لمشاعر الكراهية بين الفئات المجتمعية، وذوي الاتجاهات الفكرية المختلفة في مصر).
الثالث – إعلامي: التسويق الفج للصفقة من خلال وسائل الإعلام المصرية.طالعتنا أجهزة الإعلام الرسمية إبان القبض على الجاسوس المذكور بأنه أضر بالأمن الوطني المصري إضرارًا كبيرًا عن طريق الوقيعة بين الجيش المصري والشعب لصالح جهاز الـ”موساد” الإسرائيلي، ولعل الصورة الشهيرة التي كانت تتداول بكثرة للجاسوس وهو يحمل لافتة مكتوب عليها باللغتين العربية والإنجليزية: “أوباما أيها الغبي إنها ثورة كبرياء.. وليست ثورة غذاء”، وصورته وهو يرتدي البزة العسكرية لجيش “الحرب” الإسرائيلي، ذات دلالة في هذا الشأن، إلا أنه منذ الإعلان عن زيارة وزير الدفاع الأميركي للبلاد، وقد استيقظنا فجأة على كلام مُوجَّه ومُغرض يتحدث عن شاب أميركي مريض بأمراض وراثية عجيبة، بالإضافة إلى تصريح مهين يتمثل في أن وزير الدفاع الأميركي سيصطحب الجاسوس معه في طريق عودته (ولا تعليق).
الرابع – واقعي: ازدياد حدة سخط الشعب المصري على أداء المجلس العسكري والحكومة. جدير بالذكر، أنه لا أحد يعتد به وطنيًا أو يثق به الناس يقبل أو يدعو إلى وقيعة ولا إلى صدام بين الشعب والجيش، وصحيح أن الجيش خط أحمر برضى الناس لا بإنذارات الحراس، لكن ثورة الشعب المصري هي الخط الأحمر، ولا خير فينا ولا في غيرنا، إذا لم نقل الحقيقة كاملة وفي أوانها مهما كان الثمن. والحقيقة أن ثمة أعضاء في المجلس العسكري يتعاطفون حقًا مع الثورة، لكن سياسة المجلس العسكري في جملته شيء آخر، سياسةٌ تدفع الناس في كثير من الأحيان إلى الضيق والقلق وربما إلى اليأس، وتخلق مناخًا مريبًا قد يشجع إيحاءات الوقيعة بين الشعب والجيش، وهذه خطيئة سياسة المجلس العسكري، والتي تسيء للجيش بقدر ما تسيء للثورة. أما مجلس الوزراء المصري، فسوف يحاسبه التاريخ حسابًا عسيرًا على صمته وسكوته في العديد من النوائب، وفي مسألتنا هذه أيضًا. وأتوقع في حالة إتمام الصفقة أيًا ما كان الطائل من ورائها، سيكون لها انعكاسًا واضحًا تجاه تأجيج المشاعر الشعبية العدائية ضد إسرائيل، والتي ستُتَرجَم على أرض الواقع من خلال اعتداءات محتملة على السفارة والمصالح الإسرائيلية في البلاد، ويؤكد هذا التوقع التعبير عن السخط من مثل تلك الصفقات وأبرزها صفقة الجاسوس عزام، في الشعارات والهتافات التي كان يرددها المتظاهرون في ميدان التحرير وأمام السفارة الإسرائيلية.
وفي النهاية، وحتى لا يعتبرني البعض مُسرفًا في الأمل أو متعنتًا أو غير واقعي، يمكن أن أُسَلِّم بقبول الصفقة حال إذعان الجانب الإسرائيلي لمطلب مصري عادل وهو الإفراج عن السجناء المصريين، والسجناء العرب في أحكام سياسية كافة (هناك سابقة لحزب الله اللبناني في هذا الشأن) ولكن في نهاية المطاف يجب أن تكون الصفقة مرهونة بمحاكمة الجاسوس إيلان جرابيل، وصدور حكم نهائي باتٍّ بشأنه، وحتى آنئذٍ سَيَسْطُرُ التاريخ لنا صفحة أقل نصاعة من صفحة تشرشل، وصفحة بايدن إن صمد أمام ضغوط اللوبي الصهيوني الأميركي من جهة، وضغوط رفيقه باراك حسين سليل الأسرة الأفريقية المسلمة من جهة أخرى. أما إذا قُدِّمَت أية تنازلات تحت أية ضغوطات، أو لو كانت الوساطة المصرية في صفقة الجندي شاليط تكئة لتمرير صفقة الجاسوس جرابيل أو الجاسوس عودة سليمان الترابين الذي رفضت السلطات المصرية مرارًا الإذعان للضغوطات الإسرائيلية للإفراج عنه؛ فميدانُ التحريرِ على حالِه، والصبرُ باقٍ، والمصريُُّ صحيحٌ.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

Tags:

أترك تعليقا