حسن حنفي .. الماركسية ترتدي ثوب الإسلام
Posted on 02. May, 2010 in شخصيات
كتب :أسامة الهتيمي
لا تختلف رؤية الدكتور حسن حنفي عن غيره من العلمانيين إلى الإسلام, التي لا تعدو كونها نظرة مادية صرفة؛ حيث ينظر إليه باعتباره تراثًا حضاريًا كبيرًا له استقلاله الخاص وقدرته الفعالة في التأثير على شعوب المنطقة, وإن كانت نظرة الدكتور حنفي تتميز عن غيرها من ناحية حماسه الشديد لبعثه مما يراه إيجابيات من مكونات هذا التراث الحضاري, الذي هو كفيل بإعادة بعث هذه الأمة إذا أعيد صياغته من جديد بالطريقة التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف أو الشكل الجديد المستهدف من هذا البعث.
يقول حنفي: “فالدين في ذاته أصبح تراثًا؛ لأن الدين قد تمثله جماعة وحولته إلى ثقافة طبقًا لمتطلبات العصر”, ثم يستتبع ذلك بقوله: “لا يوجد دين في ذاته, بل يوجد تراث لجماعة معينة ظهر في لحظة تاريخية محددة ويمكن تطويرها طبقًا للحظة تاريخية قادمة”.
ويتبع حنفي لتحقيق ذلك منهجًا تأويليًا وابتساريًا – إن جاز التعبير – في التعاطي مع التراث الذي يأخذ منه ما يراه في اعتقاده مناسبًا لحاجيات العصر, على أن تظل بقية الاحتمالات الأخرى لظروف ربما تكون أكثر ملاءمة لها.. يقول الدكتور حنفي: “إن مهمة التراث والتجديد إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة, بل ووضع احتمالات جديدة واختيار أنسبها لحاجات العصر؛ إذ لا يوجد صواب وخطأ نظري للحكم عليها, بل لا يوجد إلا مقياس عملي؛ فالاختيار المنتج المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب, ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة, بل يعني أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى وعصور أخرى ولّت أو مازالت قادمة”.
وهنا تتضح بجلاء ملامح المنهج البراجماتي الذي يتبناه الدكتور حنفي في إقامة مشروعه؛ حيث يعتبر أن الأفكار المقبولة من التراث هي أنسب الأفكار التي يمكنها تلبية حاجات العصر بشكل عملي, أي أنها الأفكار التي من الممكن أن تستخدم كأداة لبلوغ أهداف حددتها سلفًا حاجات العصر, وهو الأمر ا
لذي يتفق فيه مع مقولات وليم جيمس رائد المدرسة البراجماتية حيث يقول جيمس: “إن الحقيقي في أوجز عبارة ليس إلا النافع والموافق للمطلوب في سبيل تفكيرنا تمامًا, كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب في سبيل مسلكنا وحيازة الحقيقة بعيدة كل البعد عن أن تكون غاية في ذاتها فهي لا تزيد عن كونها مجرد وسيلة أو إرادة أولية لبلوغ الإشباع والرضا والسرور, كما أن الحقيقة نفسها في حالة تغير وتبدل وانتقال”. من ناحية أخرى فإن قراءة سريعة لفكر ومشروع الدكتور حسن حنفي تدفع إلى الاتفاق على وصف هذا المشروع بأنه محاولة لـ”أنسنة” الدين وتفريغه من محتواه, وذلك بإلغاء ثوابته ومطلقاته ومقدساته من الله إلى النبوة إلى الرسالة إلى الوحي إلى الغيب.. إلغاء كل ذلك.. بإعطائها مضامين ومفاهيم إنسانية أرضية, أي إلغاء الغيب كمصدر للمعرفة وقصرها على عالم الشهادة وقصر سبل هذه المعرفة على العقل والتجريب وحدهما, أي إلغاء كل ما يجاوز الحس والمشاهدة وتأويل وتفسير كل ما له علاقة بالدين والغيب والألوهية والنبوة والرسالة والوحي, على النحو الذي يؤنسنه ويجعله إفرازًا بشريًا.
ومن هذا المنطلق فقد تعامل حنفي مع الدين الذي يسميه تراثًا كما تعامل التنويريون الغربيون مع النصرانية إبان عصر النهضة متجاهلاً التباينات الشديدة بين الإسلام وغيره من الأديان, فأطلق للعقل سلطانه نافيًا أن يكون هناك أية سلطة أخرى يقول في كتابه “التراث والتجديد”, “فمهمة التراث والتجديد هي التحرر من السلطة بكل أنواعها سلطة الماضي وسلطة الموروث, فلا سلطان إلا للعقل ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه وتحرير وجداننا من الخوف والرهبة والطاعة والسلطة سواء كانت الموروث أو سلطة المنقول”.
ليتحول الدين وبحسب تأويلات حنفي إلى أيديولوجية ويتحول الإسلام إلى تحرر بل ويتحول الله – تعالى عما يصفون – إلى الأرض والخبز والحرية والعدل والعتاد والعدة والقوة.. فالله بنص عبارات حسن حنفي لفظة نعبر بها عن صرخات الألم وصيحات الفرح, أي أنه تعبير أدبي أكثر منه وصفًا لواقع وتعبير إنشائي أكثر منه وصفًا خبريًا”, وهو ما دفع حنفي أن يدعو ضمن مهام التجديد اللغوي المطلوب إلى وجوب التخلي عن ألفاظ ومصطلحات كثيرة من مثل: الله والرسول والدين والنار والثواب والعقاب… إلخ في علم أصول الدين لأنها قطعية.. ولأنها تجاوز الحس والمشاهدة.. ولأنها تشير إلى مقولات غير إنسانية.. فكل ما يتجاوز الحس والمشاهدة وكل ما لا يتأنسن يجب تأويله وتحويله, بل والتخلي عنه وإلغاؤه.
لهذا فإنه وبحسب منهج حنفي, فإن على حضارتنا وتراثنا ومنهجيتنا أن تدير ظهرها لله والسماء وتتمركز حول الإنسان.. يقول حنفي: “وما زلنا نحن في واقعنا المعاصر يتمركز فكرنا على الله ولم نطور المكتسبات الإنسانية في تراثنا القديم, على الرغم مما نحن فيه من مآسي الإنسان التي كان يمكن أن تجعله محورًا أساسيًا في فكرنا القومي”.
فما وراء الإنسان والمادة وهم.. والمطلوب هو التحول عن هذا الوهم إلى حقيقة العالم والإنسان وحدهما, وتحقيق ذلك يكون بالتخلص من العقيدة التي تعبر عن أزمة داخل الإنسان.. يقول حنفي: “الإلحاد هو التحول من القول إلى العمل, ومن النظر إلى السلوك, ومن الفكر إلى الواقع, إنه وعي بالحاضر… بل هو المعنى الأصلي للإيمان”.
كما يرى أن الإنسان عندما يفقد وعيه بنفسه يغترب عنها, فيعطي الكمال لآخر, وعندما يسترد وعيه وشعوره بحقيقة نفسه لا يجد نفسه مضطرًا إلى الوعي الزائف وهو تأليه الآخر.
وهنا يتفق حنفي مع فلسفة فيورباخ في “الاغتراب الديني”, والتي ترى “أن الله ليس إلا الإنسان مغتربًا فيه”؛ حيث يقول: “ليس واجب الوجود – ويقصد هنا الله – كائنًا مشخصًا يحس ويشعر ويسمع ويرى يتكلم ويريد, بل هو المثل الإنساني الأعلى وغاية الإنسان القصوى”.
ويقول في موضع آخر: “في اللحظة التي يقل فيها وعي الإنسان بوجوده ويغترب في العالم فإنه يشخص وجوده في وجود آخر متجاوزًا به عن وجوده المأسوي في وجود آخر أرحب عن طريق الخيال! تعويضًا عن وجوده الهش المتأزم وجلبًا للطمأنينة والسلام حتى يعيش في الواقع في وفاق مع نفسه وفي وئام مع العالم من خلال الوعي الزائف, وإنها لمهمة الإنسان ومسئوليته إن شاء أن يسترد وجوده بعد أن أعاره لغيره في لحظة ضعف وهوان”.
ولا شك أن هذه الفلسفة هي محصلة ردود فعل عنيفة تمتد لقرون على انحرافات الكنيسة الغربية التي أهانت الإنسان, وجعلته نجسًا بوراثة الخطية, وهي الفلسفة التي تبناها العالم الغربي في القرون الثلاثة الأخيرة, ورسختها أفكار فرويد وماركس ودور كايم, وكانت هي المبدأ الذي انبنت عليه كل الفلسفات الغربية الحديثة, والتي تؤمن بالمادة وتنكر وجود الله عز وجل وتعلن استقلال الإنسان, وهو ما تبناه حنفي الذي يزعم في جل كتاباته أنه يسعى إلى الاستقلال الحضاري للأمة والنضال ضد التغريب والإلحاق الحضاري والتبعية, في الوقت الذي يجعل منطلقات هذا الاستقلال هي نفسها دعاوى فلسفة الحضارة الغربية المادية والإلحادية.. فيقول: “الكفر ليس تعصبًا وإيمانًا بعقيدة مضادة أو حتى أزمة نفسية أو تقليدًا, بل هو كفر واعٍ بناءً على تحليل لتصورات الإنسان عن الألوهية في لحظات ظهورها في التاريخ”.
فكيف للدكتور حنفي الذي بمشروعه يجرد الإسلام من محتواه الديني والإلهي.. أي من الثوابت والمطلقات التي حفظت وما زالت تحفظ لنا وعلينا الاستقلال وتضمن لنا الاستعصاء على التبعية والذوبان يردد مزاعمه بأن مشروعه لتحقيق الاستقلال؟!
القضية أن الكثير من هؤلاء العلمانيين يعون جيدًا حقيقة الدور الذي يقومون به كما يدركون تمام الإدراك التناقضات الجسيمة التي يقعون فيها من خلال مشاريعهم التلفيقية للجمع ما بين أيديولوجياتهم والأفكار الإسلامية في محاولات متجددة لخداع الأمة والإيقاع بها في فخ الابتعاد عن هويتها وعقيدتها.
يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه الإسلام بين التنوير والتزوير: “بقي أن أقول – للتاريخ–: إننا عندما صدر كتاب الدكتور حسن حنفي “التراث والتجديد” سنة 1980م اجتمعنا – مجموعة من المفكرين – به في جلسة نقدية لهذا الكتاب – بمنزل الصديق الأستاذ المستشار طارق البشري – ولقد توليت أنا عرض الملاحظات النقدية على الكتاب.. ولم يشأ الدكتور حسن يومها أن يجيب على تساؤلات الحضور إلا بابتسامة قال لي معها.. هو أنت كشفت الموضوع؟!
فلما استأذنته أن أكتب عن الكتاب رجاني ألا أفعل وقال: لقد طبعته بحروف صغيرة حتى لا يستطيع المشايخ قراءته”. وهي الرواية التي ربما تكشف جانبًا من حقيقة هؤلاء.





آخر التعليقات