جمال البنا.. رحلة البحث عن الهاوية
Posted on 10. Apr, 2010 in شخصيات
لا شك أن الكثير مما أثاره جمال البنا استفز مشاعر الملايين من المسلمين الذين تابعوا شطحاته وانحرافاته في مشارق الأرض ومغاربها بعد أن تبين لهم أن الأمر تجاوز كبوات العلماء وزلاتهم وأنه لا يمكن إلا أن يكون الرجل بفكره أداة خبيثة في يد هؤلاء الذين يواصلون الليل بالنهار من أجل تخريب عقول المسلمين وإفساد عقائدهم بزعم الاجتهاد والتجديد اللذان أصبحا لدى هولاء بلا قواعد أو ضوابط تفرق بينهما وبين التخريف والعبث
الجهاد السياسي
عندما ارتحلت من قريتي بمحافظة الفيوم – شمال صعيد مصر- للالتحاق بجامعة القاهرة في بداية تسعينات القرن الميلادي الماضي كنت أحرص حرصا شديدا على المشاركة – قدر استطاعتي – في الندوات والمؤتمرات الدينية والثقافية والفكرية التي كانت تعقد في أماكن متعددة من العاصمة المصرية حيث كان انعقاد هذه الندوات هو الدافع الذي جعلني أرجح جامعة القاهرة عن غيرها من الجامعات الإقليمية.
وكان الأهم في هذه المشاركات هو الالتقاء المباشر بمن قرأنا لهم أو عنهم فتتاح لنا فرصة النقاش والحوار دون واسطة إعلامية ربما تجمل أو تحرف بعضا مما ينطق به هؤلاء وهو بلاشك فائدة عظيمة تجعل أحكامنا الصادرة بحق هؤلاء سواء كانت سلبية أو إيجابية أقرب إلى الواقع والموضوعية.
وكان من بين هؤلاء الذين التقيتهم في العديد من الندوات جمال البنا – الشقيق الأصغر للاستاذ حسن البنا ( مؤسس جماعة الإخوان المسلمين) – والذي لم يكن وقتها صاحب هذه الشهرة الواسعة حيث اقتصر عارفوه على قلة قليلة من الناشطين الإسلاميين في العمل السياسي الذين لم ينظروا بتأمل إلى إنتاجه الفكري وركزوا على إنتاجه السياسي خاصة أنه كان معروفا بنشاطه النقابي ورئاسته للاتحاد الإسلامي الدولي للعمل ومقره جنيف.
فساهم الرجل بشكل أو بآخر في تأصيل مفاهيم النضال والجهاد السياسي لتحقيق الحرية والشورى والانعتاق من التبعية للغرب وقوى الاستكبار العالمي فضلا عن الكشف عن تميز المنهج الإسلامي عن غيره من بقية النظريات السياسية كالرأسمالية والشيوعية اللذان كان تطبيقهما في بعض البلدان سببا في جر العالم إلى الخراب والدمار.
وفي هذا الإطار فقد تعددت كتابات البنا والتي كان من بينها مثلا: ( أزمة النقابة – الإسلام والحركة النقابية – الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل يبدأ المسيرة – الحركة النقابية من منطلق إسلامي – نظم الثقافة العمالية في الوطن العربي – وجوه الائتلاف والاختلاف بين الراسمالية والشيوعية والإسلام – الدولة العصرية – محكمة العدل الدولية الإسلامية – قضية الحرية في الإسلام – الشورى في الإدارة – نحو حركة نقابية مثقفة – ثلاث عقبات في الطريق إلى المجد ترشيد النهضة – الأزمة والبطالة في الرأسمالية – موقف المفكر العربي تجاه المذاهب السياسية المعاصرة – قصة فرسان العمل – القانون والقضاء في المجتمع الاشتراكي – نقد النظرية الماركسية – العدل في الفكر الأوروبي الفكر الإسلامي – نحو تعددية نقابية دون تفتت أو احتكار – الحركة النقابية حركة إنسانية..).
البنا والشعراوي
الحقيقة أن خطاب جمال البنا كان يبهر سامعيه خاصة أن حديثه عن الحرية والديمقراطية تزامن مع حملات تصعيدية من قبل الحكومة المصرية آنذاك ضد شباب الصحوة الإسلامية حتى وصل إلى حد اعتقال ألآلاف على الرغم من أن الكثير منهم لم تكن له علاقة من قريب أو من بعيد بأحداث العنف وهو ما دفع بالكثيرين أيضا إلى استشعار الغبن والظلم.
وأعترف أنني كنت من بين المبهورين بهذا الخطاب الذي صادف داخلي رغبة حقيقية في المشاركة السياسية والتفاعل مع قضايا الوطن من منظور إسلامي إذ من الواجب أن لا نترك ساحة العمل السياسي للعلمانيين والشيوعيين في حين يبقى الإسلاميون في دائرة التهميش والاضطهاد.
وقد دفعني ذلك للاقتراب من الرجل شيئا فشيئا حتى التقيته في مكتبته الخاصة بشارع الجيش بالقاهرة حيث استقبلني بترحاب شديد ولم يكن بالمكتبة سواه وعامل البوفيه على الرغم من أنه كان يفتح مكتبته للزوار والباحثين.
وبعد مناقشات وحوارات كثيرة لا أذكر منها إلا القليل أهداني الرجل بعض كتبه الأخرى التي لم أكن قد تعرفت عليها بعد وقد أسعدني ذلك كثيرا وأشعرني بأن الرجل على مستوى إنساني عالي قلما يتوفر في مفكرينا وعلماءنا الذين يتعامل بعضهم وبكل أسف شديد بشئ من التعالي.
وما أن تلقفت الكتب حتى قرأتها بنهم فأفكار الرجل مختلفة تماما عن تلك الأفكار التي درسناها وتعلمناها طيلة حياتنا في مدارسنا وفي كلية دار العلوم التي كنت طالبا بها فأخذت أرددها وأناقشها مع أصدقائي وزملائي الذين صدمتهم هذه الأفكار فنصحوني بالابتعاد عن قراءة مثل هذه الكتب حتى أرسخ في العلوم الشرعية لأفرق بين الغث والثمين.
لم تكن لتثنيني هذه النصائح وهذه المعارك الفكرية مع أقراني عن الاستمرار في الاطلاع على كتب جمال البنا حتى حدث لي أمر لم أكن أتخيل حدوثه إذ جاءني الشيخ محمد متولي الشعراوي في المنام وكان قد رحل رحمه الله فرأيته وكأنه يقف مكان موظف الاستقبال في أحد الفنادق فنادى علي خلال دخولي للفندق وقال لي خذ هذه الصورة – صورته الشخصية – وكبرها ودعك من جمال البنا سيفسد عليك عقلك.
ظلت رؤية الشيخ الشعراوي تلح علي لأيام إلى أن التقيت جمال البنا في أحد مؤتمرات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وكان له بالمؤتمر محاضرة عن الحرية في الإسلام فجلست معه قبيل المحاضرة وحكيت له ما رأيت فنظر إلي مبتسما وقال لي اسمع كلام الشيخ الشعراوي.
عقدة البنا
الغريب أنني لم أناقش جمال البنا في رده علي وكأنني بالفعل كنت أنتظر هذا الرد غير أنني تعجبت في الوقت نفسه كيف لا يدافع الرجل عن نفسه أو عن أفكاره أو على الأقل يسخر مني مسفها اعتمادي على رؤية منامية لتحديد موقفي من بعض الأفكار لكنني بعد فترة من التفكير اقتنعت بأن الرجل نفسه ليس على قناعة كاملة بما يكتب ويروج وأن تبنيه لهذه الأفكار ربما يكون له أسبابه الأخرى.
وبعد طول انقطاع دام لسنوات صدرت عام 2001م جريدة “القاهرة” الأسبوعية التي تصدرها وزارة الثقافة المصرية فكان جمال البنا أحد كتابها ليس باعتباره كاتبا وفقط ولكن باعتباره ممثلا عن الإسلاميين.
وفي اعتقادي أن اختيار البنا لهذه المهمة كانت خطوة لعبها بذكاء شديد رئيس تحرير الجريدة وهو الكاتب الصحفي صلاح عيسي – كاتب يساري علماني – حيث رأى في البنا الشخصية القادرة على أن تساهم بشكل أو بآخر مع آخرين من صف العلمانيين في اهتزاز الثوابت لدى الجماهير المصرية وهي الرسالة التي ربما قرأها البنا سريعا فسارع إلى الاستجابة لها حتى يثبت أقدامه في الإعلام الحكومي الذي ظل طيلة عقود عمره الثمانيين لا ينظر له ولا يعيره اهتماما.
وهنا تكمن مشكلة جمال البنا الحقيقية إذ أنه وعلى الرغم من معارفه واطلاعاته وإتقانه للغات أجنبية إلا أنه بقي في الظل لا يعرفه أحد في حين أن شقيه حسن كان وما زال ملء السمع والبصر بعد أن نجح في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين – أكبر الحركات الإسلامية – والتي ظلت تردد أفكاره وتنشر رسائله بين أتباعها وأنصارها.
والتجاهل لم يقتصر فحسب على الإعلام الحكومي بل امتد ليشمل أيضا أبناء الحركة الإسلامية والباحثين الإسلاميين اللذين لم يلتفتوا إلى إسهامات جمال البنا في الفكر والعقيدة والفقه الإسلامي ومنها ( الإسلام والعقلانية – الاصلان العظيمان – نحو فقه جديد “جزأين” – حرية الاعتقاد في الإسلام – الإسلام والحرية والعلمانية – الدعوات الإسلامية المعاصرة ما لها وما عليها – الأصول الفكرية للدولة الإسلامية – الحكم بالقرآن وقضية تطبيق الشريعة – الربا وعلاقته بالممارسات المصرفية والبنوك الإسلامية – الإسلام هو الحل – تفسير حديث من رأى منكم منكرا – لا حرج – العودة إلى القرآن – خمسة معايير لمصداقية الحكم الإسلامي – تثوير القرآن – مسئولية فشل الدولة الإسلامية في العصر الحديث – كلا ثم كلا : كلا لفقهاء التقليد .. كلا لأدعياء التنوير- الإيمان بالله في القرآن الكريم ولدى السلف والمعتزلة والمعاصرين – المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء…).
فمع كل هذا الإنتاج لم ير هؤلاء في الرجل آنذاك أنه مجتهد أو مفسر أو حتى فقيه وبالتالي فإن ما يقدمه ربما يكون محاولات متواضعة منه للإسهام في الكتابات الإسلامية كما يفعل كثيرون من غير أهل التخصص وهو الأمر الذي ربما لا يدعو للاهتمام بإنتاجه أو النظر فيه وهو ما كان له أثره السلبي أيضا على شخصية جمال البنا.
وعودة سريعة لأفكار البنا فيما قبل عام 2000 وأفكاره فيما بعد عام 2000م تكشف وبجلاء شديد أن حالة من التطرف الفكري قد أصابت الرجل منذ أن بدأت تتصاعد ردود الفعل تجاه كتاباته في الجريدة حيث ظن أنه وجد ضالته واستشعر أنه اخيرا التفت له الناس وشعروا بأن هناك شخص اسمه جمال البنا.
وفجأة وبلا مقدمات أصبح البنا مفكرا إسلاميا وأصبح له في كل صحيفة مقال وفي كل برنامج تلفزيوني مُشاركة ورأي باعتباره المفكر المستنير الذي يطرح رؤية إسلامية عقلانية ليبرالية يمكنها التعايش مع الواقع المعاصر.
كتب أسامة الهتيمي





آخر التعليقات