حوار . . فى بيت زعيم مخلوع

Posted on 15. Feb, 2011 in تحت المجهر

حوار . . فى بيت زعيم مخلوع

 بقلم : سعيد السبكى

همهمات غير مفهمومة من الجميع داخل البيت ، همسات أصوات خافتة ، عيون زائغة ، حالة من القلق والتوتر أصابت العائلة . . علامات الخوف من المجهول إرتسمت على الوجوه ، الإحباط بدأ يتسرب الى داخل نفوسهم رويداً رويداً .

إنزوت وحيدة فى رُكن من أركان بهو القصر تحدث نفسها وتراجعها ، تتساءل : هل هذا ما كُنت أريده؟ لقد بدت أحجار جدار حُلمى تتهاوى . . رغما عنها تنهدت بصوت عال كاد ان يفضح أسرارها ، لم تعد هناك ضمانات بعد الآن كى أكون السيدة الأولى لجمهورية نصر العالمية خلفاً لنورهان هانم أم زوجى ” كمال ” ، لن يكون لى قصرا مثل قصرها ، لن يتم تقبيل يدى مثلما كانت تفعل معها الوزيرة فاطمة ، لن يُطلق إسم وحيدة على مدرسة هنا أو مكتبة هناك ، لن أعتلى المنصات وأخطب فى الناس ، لن أكون رئيسة لجمعية خيرية أو مؤسسة أهلية ، لن أرى صورى تزين صفحات الجرائد والمجلات ، لن أسمع اسمى يتكرر فى نشرات أخبار الراديو وأرى صورتى على شاشات التلفزيون ، لن يقترن اسمى بالمدافعة عن حقوق المرأة . . آه آه .  كل مؤشرات الأحداث تهدد بضياع أحلامى .

 بينما وحيدة واقفه شاردة كالطائر الجريح ربت على كتفها كمال مُعاتبا ماذا تفعلى هنا وحدك وتتركى الجميع فى مثل هذا الوقت؟ أجابته بصوت متلعثم تسأله هل أنا الذى تركتكم؟. . . لم يفهم كمال ما قالته فاستدرك : ماذا قلتى؟ …. حمَدت الله انه لم يسمع أو يفهم ما قالته ، وبادرته لا لا شيئ أبدا . إنصرفت وراءه تجر أحلامها التى تتهاوى خلفها ، وإنضمت من جديد لمجلس العائلة المُنعقد فى حالة طارئة فرضتها الأحداث . 

نظر الأب حسن تبارك لإبنه الأصغر كمال يوجه له اللوم والتأنيب قائلاً : منحتك القصر فكُنت مٌقصراً ، منحتك علوم سياسة التحكم والسُلطة فإكتشفت جهلك ، منحتك المركز وسُلطة النفوذ فماذا صنعت ياولدى؟ جمعت حولك أصحاب المال وأصدقاء السوء ، وعملت إنشقاق فى صفوف الحزب ، لم تستفيد من أفعالك فقد فشلت كل خططك ، نبهتك من قبل وحذرتك ونصحتك وصبرت عليك ، وقلت فى نفسى انك شاب مُتحمس ، سيعود لرُشده قريباً ، لكن الواضح انك لم تتعلم منى شيئاً .

على غير عادته بدأ الزعيم الأب ” مُهند حسن تبارك ” يفقد برود أعصابه وهدوءه المُعتاد ، وإرتفع صوته تاركاً الكُرسى الذى أحبه وتعود الجلوس عليه لسنوات طويله ، رافضاً ان يجلس عليه غيره حتى فى غيابه ، ووقف غاضباً أنظر من حولك يا كمال ، إسمع أصواتهم . . أليسوا شباب مثلك هؤلاء الغاضبين؟ ألم تقل لى مراراً انك من أبناء هذا الجيل وتفهمهم أكثر منى؟ ألم تحدثنى كثيراً عن شباب الإنترت؟ إذاً أين هؤلاء؟ أين أصدقاءك وأنصارك ممن رأيت صورهم على شاشة هذا الجهاز الذى لا يفارقك؟ مرات ومرات كثيرة أجلستنى إلى جانبك لأشاهد ما قلت لى انهم شباب المُستقبل ، والشباب الموجود فى الشوارع يهتف ضدى وضد النظام ويُطالب برحيلى . . أليسوا هؤلاء هم شباب المُستقبل؟ . . .

بهدوء شديد مُعتقدا أن أحدا من أفراد العائلة لن يلحظه إنسحب الابن الأكبر ” ولاء ” بعيداً مُمسكاً بالتليفون المحمول ، بينما ” وحيدة ” زوجة شقيقه يدفعها فضول المرأة الذى إمتزج بالتوجس ، مشيت وراءه رغبة منها فى سماع مع من سيتحدث الشقيق الأكبر لزوجها ، بالطبع لم تتمكن إلا من سماع صوت ولاء ، ولا تدرى ماذا كان يتحدث على الطرف الآخر : ولاء يقول: إلحق يا عمو ذكرى أرجوك بابا غاضب جداً ، لم أراه فى حياتى أبدا فى مثل هذه الحالة . . لأ لأ أنا فعلا خايف عليه ده متوتر خالص فى كلامه مع كمال . . طيب طيب يا عمو شكراً ها اقفل دلوقتى .

عادت ” وحيدة ” بسرعة الى مقعدها حتى لا يكتشف أمرها ولاء وانها كانت تتجسس عليه ، وما عاد ولاء الى حيث كان إلا ودق جرس الهاتف السرى الخاص بالرئيس ، وهو الجرس الذى تعرفه أفراد الأسرة ، ذلك الجرس الذى ينذر دائماً بأمور هامه ، أمسك الزعيم حسن تبارك بتليفونه الخاص ، وفرك أذنيه جيدا فى عادة لصيقة به حينما يتوتر أو يريد الانتباه لأمر مُهم ، وسار بخطوات بدت غير متزنة لفتت إنتباه الحاضرين ، خاصة زوجته نورهان التى همت بالوقوف وأرادت ان تمسك بأحد ذراعيه ، فـ لأول مرة فى حياته يدفعها بعيداً عنه بشدة ، وأغلق الهاتف دون أن يرُد موجهاً كلامه لها ونظراته تطلق شراراً فى وجه الجميع ، وبصوت مُتحشرج انا لسه ماوقعتش ، انتم فاكرين إيه هزتكم شوية الأصوات اللى بره؟ والعيال اللى خرجوا للشارع يتظاهروا؟ . . وما ان انهى كلماته الا ودق جرس التليفون مرة ثانية ، ذات الجرس الذى يعرفه أهل بيته. 

أيوه يا ذكرى . . هه هه لأ مفيش حاجة كلمنى بعد ساعة ، سلام . . أغلق الهاتف وعاد الى المقعد لكنه وفى حالة لم يعهدها أهل بيته أخطأ الجلوس هذه المرة ، فتنبه وعاد واقفا مُتجهاً الى كُرسيه الخاص وجلس عليه .

طبعا انت يا ولاء اللى إتصلت بـ ذكرى تستنجد بيه ، انتم خايفين على إيه؟ علىَ ولا على أنفسكم؟ اللى خايف يقول وانا ارتب له فورا يروح المكان اللى هو عاوزه ، صمت ولاء ولم يرُد ونظراته تقول فعلا انه اتصل بعمو ذكرى .

قال كمال لوالده هدى نفسك يا بابا ولاء زينا كلنا خايفين على حضرتك ، وانا كُنت دايماً عاوز اشرفك واكمل مشوارك البطولى ، وانا مقصرتش فـ حاجة ، عملت كل اللى عليا واكتر شويه ، أنصار حضرتك جوه الحزب حاصرونى واشتكيت لك اكثر من مرة ، وابلغت شكواى للكبار ذكرى عزام وجودت الحريف ووليد دياب وأمجد عزت ، قاطعه تبارك: هو عزت بقى من الكبار، استمر كمال فى كلامه: وكانوا بيقولوا لى كلام ويعطوا وعود ، لكن اللى كنت باشوفه منهم غير كلامهم خاص ، وهم الذين عملوا انشقاق فـ الحزب مش أنا ، انا متأكد ان لهم توجهات لم أكن أعرفها ، مرة كنت احس انهم عايزنى ومره اشعر انهم يخططون لشيئ آخر ، فرد عليه والده هو هذا بالضبط انك لم تحسن فهم قواعد اللعبة .

بلهجة متوترة وبعصبية واضحة قالت السيدة نورهان: كفاية كفاية خلينا فـ اللى إحنا فيه ، ياللا ياولاء ساعدنى يا بنى نحضر شوية حاجات محدش عارف الدنيا هاتنتهى على ايه ، وخللى بالك معايا ، وانت ياكمال متسبش ابوك خليك جنبه.

ذهبت نورهان هانم برفقة ابنها الأكبر ولاء تعطى أوامرها هنا وهناك ، وحولها 10 فتيات فى مُقتبل العُمر ، يتحركن فى ديناميكية ونظام وكأنهم يعملن وفقه خطة تم إعدادها مُسبقا ، مجموعات متنوعة من الحقائب متوسطة الحجم ذات مقاس واحد بألوان مختلفة ، وأخرى كبيرة  ،  كل مجموعة الوان مُخصصة لأغراض بعينها ، بإستثناء حقائب صغيرة كانت نورهان هانم تشرف عليها بنفسها بمساعدة فتاة واحدة بدى من الواضح انها الأقرب اليها من الأخريات ، حيث تساعدها فى وضع مجوهراتها وبعض الملفات التى تحوى أوراق .

واحدة من العاملات بالقصر جاءت مُسرعة تسال زميلاتها أين الهانم أين الهانم؟ وما ان وصلت اليها حتى همست فى اذنها بما لم يسمعه غيرها ، أومأت نورهان برأسها وبدى عليها الارتباك والحيرة ، خطوة للأمام وأخرى للخلف ، أغلقت غرفة خاصة بعد ان اخرجت منها وصيفتها المُقربة ، وذهبت الى مكتب الزعيم .

تعالى يا نورهان : فاكرة التوكيل اللى عملت ليكى اثناء علاجى فى المانيا؟ نعم فاكرة كويس . . طيب هو عموما اترجم للفرنسية والانجليزية والهولندية والايطالية ولغات اخرى بجانب الألمانية ، وزى ما انتى عارفة التوكيل ده يسمح لك بالتصرف فى حسابتنا لدى البنوك ، عوزين نعمل حسابات بأسماء أشخاص نعرفهم ، الناس دول هاديلك قائمة باسماءهم وجوازات سفرهم وتوكيلات منهم بالتصرف الكامل فى حساباتهم البنكية ، وطبعا هيسافر معاكى  تلاتة من رجالتنا بيفهموا لغات والشئون القانونية والبنكية ، وعاوزك تسحبى  من البنوك فى اوروبا على قدر المسموح به وتضعى المبالغ فى الخزانات الحديدية فى البنوك ، وعموما امامك 3 اسابيع يعنى فيهم 15 يوم عمل ، عشان زى ما انتى عارفة السبت والاحد أجازة الويك إند بتاعتهم هناك ، كلامى واضح؟ ايوه يا حسن فهمت، طيب على بركة الله 

حسن تبارك : فين كمال؟ نعم ايوه يابابا ، طبعا انت عارف دورك بالضبط هاتسافر النهاره انت ومراتك وبنتك ، يعنى جاهز ؟ ايوه جاهز . . وانا هاطلع وفق الترتيب من قاعدة غرب القاهرة الجوية على الطائرة الخاصة ، وعموما هم ها يسبقونى ومعاهم عربتان فيهم الشنط الكبيرة ، والصناديق الخشبية خلتهم يشحنوهم مباشرة على الطائرة ، والأمن اخد خبر ورتب كل حاجة ، وها اكلمكم اول ما اوصل لندن ان شاء الله .

هرج ومرج خارج القصر تميز على غير العادة باصوات عالية أثارت غضب الزعيم ، وبينما يستعد كمال للخروج ومعه زوجته وحيدة وابنته أراد ان يحتضن شقيقه الأكبر مودعا فقال له ولاء ياللا روح انت اللى خربتها بطموحك الغبى ، كنت فاكر نفسك بتفهم اكتر من كل الناس ، رايح جاى امريكا ، انخدعت منهم وفهمت غلط علشان غبى .

نورهان : عيب يا ولاء عيب ياولاد مش كده

ولاء : عيب ايه ياماما هو مين اللى كان بيشجعه غيرك انتى والريس ، كنتم عوزينوا يورثنا بالحياة ، يورث البلد كلها ، اهى خربت على دماغنا كلنا ، انبسطوا كلكم .

كمال : انت ازاى بتكلم ماما بالطريقة ديه ؟ واقترب منه ممسكا بكتفه فدفعه ولاء وكادا ان يشتبكا بالأيدى . 

الا ان دخول الزعيم يترنح حال دون ذلك ، سكت الجميع امتثالا لصوت حسن تبارك الذى جلس هذه المرة على كرسى غير مقعده المعتاد لكنه لم يقوى على النهوض وراح فى غيبوبة .

———————————————————————

الشخصيات :

-       الزعيم المخلوع : مُهند حسن تبارك

-       زوجة الزعيم : نورهان

-       الأبن الأكبر : ولاء

-       الابن الأصغر : كمال

-       الزوجة : وحيدة

-       ذكرى عزام

-       جودت الحريف

-       وليد دياب

-       أمجد عزت

Tags:

أترك تعليقا