الثقافة العربية تلقى بظلال التنوع على المجتمع الهولندى
Posted on 07. May, 2010 in تحت المجهر
كتب : اشرف مصطفى
يتميز الكيان الثقافى فى هولندا بالتنوع ، حيث يضم شرائح اجتماعية من مُختلف الأجناس والأعراق ، يُضفى على الحركة الثقافية مشاهد مُتعددة الألوان ، يعود تواجد التنوع الى مساحة الحُرية الكبيرة التى تمنحها نصوص القوانين فى دستور هولندا ، ويسبق ذلك طبيعة الشعب الهولندى التى تتمثل فى الفضول الشديد ، وشغفه الذى لا يتوقف للتعرف على الآخر ، فهو شعب متأصل فيه جذور عادة حُسن الاستماع لغيره ، حتى لو لم يتفق ما يعرضه الآخر من فكر او ثقافة ، أيضا يضم المُجتمع الهولندى عقائد دينية وفلسفية كثيرة ، ويعود اثراء الحالة الثقافية وتنوعها فى هولندا الى قدوم العمالة الأجنبية للعمل بها منذ نتهاية الحرب العالمية الثانية ، وعلى الرغم ان غالبيتهم كانوا على درجة غير عالية من الثقافة والتعليم ، الا انهم جلبوا معهم عادات وسولوكيات افرزت نتاج ثقافى كان ركيزة لأبنائهم واحفادهم ، وهو الأمر الذى جعلهم مُجددين لثقافة الأهل ، هذا التجديد الذى احدث كثير من عمليات المزج الحضارى ، وبالتالى أحدث نتاجات جديدة ، ورؤى لكل طرف تجاه الآخر ، فوجدنا المقارنات بين النصوص الشعرية والأمثلة الشعبية ، وانتشار أعمال الترجمة من العربية للهولندية والعكس ، ولقد كان الحضور لذوي الجذور العربية والإسلامية من المهاجرين اثرا ملموسا، فبحكم بقائهم فى هولندا ، وذلك على عكس ما كانت تخطط له الحكومات الهولندية المتعاقبة ،
التي لم تأت بهؤلاء ليستقروا بالبلاد بصفة دائمة ، وانما كان الهدف فى البداية هو انها جاءت بهم للعمل واعادة الاعمار بعد ان خرجت هولندا من الحرب العالمية الثانية وهى فى حاجة لبناء ما دمرته الحرب .
عدم عودتهم لأوطانهم الأصلية واستقرارهم جعل المستنيرين منهم يتخذوا مبادرات انشاء مؤسسات لرعاية مصالحهم الاجتماعية وحمايتهم قانونيا، وسرعان ما تحولت بعض منها او ضمت انشطة ثقافية ، اضافة لتأسيس غيرها من الجمعيات الثقافية المتخصصة ، حصلت على دعم مالى وأدبى من الحكومة الهولندية ، وبعض من هذه الجمعيات تواصلت فيما بعد مع مؤسسات ثقافية فى المغرب وتركيا وبلاد اخرى عربية واسلامية ، ادت حركة التواصل لزيارات لكُتاب وشعراء ومفكرين لهولندا ، واقيمت المنتديات والمؤتمرات الثقافية المختلفة ، وهو التواصل الذى افرز احتكاكات وانجب أعمال ثقافية وتعليمية لها بصمات فى تاريخ هولندا الحديث ، فمنهم اعلاميين عرب لهم تاريخ زاخر فى عالم النشر بالعربية ، وتناولوا شتى مناحى الحياة الهولندية بما لها وما عليها ، واعمال النشر هذه ساهمت فى تعريف العالم العربى بهولندا الحديثة ، وما تضمه من جامعات وعلوم ومؤسسات ومتنزهات سياحية وتثقيفية ، وبعض من هؤلاء للأسف الشديد تجاهلته المؤسسات السياسية الهولندية الرسمية الاعلامية والثقافية ، على الرغم من ادوار ثقافية كبيرة قاموا بها ، ولهذا حديث آخر ليس مجاله الآن .
وحينما تحدث المواجهة مع ممثلى الحكومة الهولندية يعيبون على الحضور الثقافي العربي والإسلامي أنه تلقائي وغير منظم يتم على أس فردية ، ويكون اللوم من طرفهم انهم يجدوا صعوبة فى ظل عدم وجود استراتيجية واضحة وموحدة ينتهجها ممثلو الثقافة العربية ، او من لهم دورا فى احياء الثقافة الهولندية عن طريق النشر والترجمة.
وفى هذا الاطار يقول الزميل : التيجانى بولعوالى” لدرجة أن الكثير من السياسيين الهولنديين يتساءلون بدهشة عن الممثل الحقيقي للجالية العربية والإسلامية، فكل الأصوات تدعي الحقيقة والمصداقية، ولكن عندما تلم كارثة ما بالمسلمين تخفت بالمرة، ولا نسمع إلا بضع أصوات مثقلة بحجم المسؤولية. وغياب النظرة الاستراتيجية هو نتاج النزعة الفردية التي تسم الفاعلين الثقافيين في تسييرهم لشؤون الثقافة، حيث ينتفي ذلك الطابع الجماعي الذي يعتبر أنجح أسلوب لتعميم ما هو ثقافي ووصله بشتى مؤسسات المجتمع المدني، حتى تصبح الثقافة فاعلا مباشرا في واقع الإنسان وقضاياه، وليس مجرد شكل تعبيري ينشأ في عزلة ويموت في عزلة، أو يخصص له حيز محدود في وسائل الإعلام، فيصير مجرد وسيلة للتسلية والترفيه.
إن الثقافة بكل مظاهرها التعبيرية وغير التعبيرية ينبغي أن ينظر إليها على أساس أنها جزء لا يتجزأ من الإنسان، في كل حركاته ونشاطاته، فهي تحضر دوما ليس في ذاكرته وتاريخه فقط، وإنما في واقعه بشكل شامل ابتداء من أسلوب الأكل وتصفيف الشعر وصولا إلى ما هو فني وأدبي وغير ذلك، فالثقافة يعبر عنها كل إنسان عن طريق أفعال وأشكال متنوعة من لباس وأكل وأعياد ولغة وعادات وتقاليد ومعاملات وما إلى ذلك، هذه الأفعال أو الأشكال تتم في معظمها في إطار جماعي تتضافر فيه جهود الأفراد لتشكيل المنتوج الثقافي، إلى درجة أنك أحيانا ترى أن الإنسان كائن ثقافي أكثر مما هو اجتماعي ما دام الاجتماعي يندرج تحت ما هو ثقافي، ثم إن ما هو اجتماعي ليس خصوصية إنسانية فقط، بقدرما هو خصوصية تحضر حتى عند الكائنات الأخرى التي تتكتل في مجتمعات وأمم لها أنساقها التعبيرية وطقوسها التواصلية.
استنادا إلى ما سلف، يمكن القول أن بنية الثقافة الهولندية استطاعت أن تستمد العديد من الخصوصيات الأجنبية خلال فترة زمنية قياسية، فتلونت واغتنت بهذه الخصوصيات أغلب واجهات الحياة العامة بهذا البلد، فصار باديا للعيان حجم التنوع الذي ساهم به الأجانب، إلا أننا عندما نتريث عند الإسهام العربي والإسلامي نكتشف أنه يعاني من خلل هيكلي وتنظيمي، رغم أن المثقفين العرب والمسلمين يحضرون بشكل مكثف في الثقافة الهولندية، إما كما أو كيفا وإما أفقيا أو عموديا، والإسهامات العديدة التي يدلون بها في شتى الميادين الفنية والفكرية والإعلامية والأدبية والجمعوية وغيرها خير شاهد على هذا الحضور. وهذا الخلل يتمثل في الأسلوب الذي يشتغل به الفاعلون الثقافيون العرب والمسلمون داخل الثقافة الهولندية، حيث غياب التواصل الكافي من جهة، سواء مع أترابهم من المنخرطين في الثقافة التي ينتمون إليها، أم مع أقرانهم من ممثلي الثقافة الهولندية الأم أو الثقافات الأخرى، وانعدام الروح التنظيمية المنبنية على عقلية التخطيط التي تستشرف المستقبل عن طريق رسم سياسة واضحة للاستراتيجيات المنتهجة والأهداف المتوخى تحقيقها.





آخر التعليقات